تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 490

مساهمون:

ص٤٩٠
قلت : ( بما كذبوا به ) ذكر هنا الرابط ، وحذفه في سورة الأعراف ، إشارة إلى جواز الأمرين ، وإليه أشار في الألفية ، بقوله :
كذا الذي جرّ بما الموصول جر * ك « مرّ بالّذى مررت فهو بر » « 1 »
يقول الحق جل جلاله :
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ
: من بعد نوح عليه السّلام
رُسُلًا
؛ كهود وصالح وإبراهيم وغيرهم
إِلى قَوْمِهِمْ
، كل رسول إلى قومه ،
فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
: بالمعجزات الواضحات المثبتة لدعواهم ،
فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا
؛ فما استقام لهم أن يؤمنوا لشدة شكيمتهم في الكفر ، ولسبق شقاوتهم ، فما آمنوا
بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ
مجيئهم المعجزات ، يعنى أنهم طلبوا المعجزات ليؤمنوا ، فلما جاءتهم استمروا على تكذيبهم ،
كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ
فلا تنفع فيهم معجزة ولا تذكير ، وفيه دليل على أن الأفعال واقعة بقدرة اللّه ، مع إثبات كسب العبد ، لقيام عالم الحكمة - الذي هو رداء لتصرف القدرة - . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : كما بعث اللّه في كل أمة رسولا يذكرهم ويدعوهم إلى اللّه ، بعث اللّه في كل عصر وليّا عارفا ، يدعو الخلق إلى معرفة اللّه وتوحيده الخاص ، فمن سبقت له العناية آمن به من غير طلب آية ، ومن سبق له الخذلان لا يصدق به ولو رأى ألف برهان . وبالله التوفيق . ثم ذكر بعثة موسى وهارون - عليهما السلام - ؛ مفصلة لما فيها من التأسي والتسلية ، فقال :

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 75 إلى 78 ]

ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ ( 75 ) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ( 76 ) قالَ مُوسى أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَ سِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ ( 77 ) قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ ( 78 ) يقول الحق جل جلاله :
ثُمَّ بَعَثْنا
، من بعد هؤلاء الرسل
مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ بِآياتِنا
التسع ،
فَاسْتَكْبَرُوا
عن اتباعها ،
وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ
معتادين الإجرام ، فلذلك تهاونوا برسالة ربهم ، واجترءوا على ردها ،
فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا
وعرفوه ، وهو بعثة موسى عليه السّلام ؛ لتظاهر المعجزات على يديه ، القاهرة المزيحة للشك ،
قالُوا
من فرط تمردهم :
إِنَّ هذا
الذي جئت به
لَسِحْرٌ مُبِينٌ
: ظاهر .
قالَ
لهم
مُوسى أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ
إنه سحر ، فكيف يقدر السحرة على مثله ؟
أَ سِحْرٌ هذا
: أيتوهم أحد أن يكون هذا سحرا ؟
وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ
أي : لو كان سحرا لا ضمحلّ ، ولم يبطل سحر
هامش
( 1 ) انظر باب الموصول ( حذف العائد ) .