تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
السحرة ، والعالم بأن الساحر لا يفلح لا يستعمل السحر ، فهذا كله من كلام موسى عليه السّلام ، أو من تمام قولهم ؛ إن جعل قوله : « أسحر هذا » محكيا لقولهم ، كأنهم قالوا : أجئتنا بالسحر لتطلب به الفلاح ولا يفلح الساحرون ، والأول أرجح .
قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا
؛ لتصرفنا
عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا
من عبادة الأصنام ،
وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ
: الملك فيها ، سمى الملك كبرياء لاتّصاف الملوك بالتكبر ،
وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ
: بمصدّقين . الإشارة : السحر على قسمين : سحر يسحر القلوب إلى حضرة الرحمن ، وسحر يسحرها إلى حضرة الشيطان ، فالسحر الذي يسحر إلى حضرة الرحمن : هو ما جاءت به الأنبياء والرسل ، وقامت به الأولياء بعدهم من الأمور التي تقرب إلى الحضرة ، إمّا ما يتعلق بالظواهر ، كتبيين الشرائع ، وإمّا ما يتعلق بالبواطن ، كتبيين الطرائق والأمور التي تشرق بها أسرار الحقائق ، وأما السحر الذي يسحر إلى حضرة الشيطان : فكل ما يشغل عن ذكر الرحمن ، ولذلك قال عليه السّلام : « اتّقوا الدّنيا فإنّها أسحر من هاروت وماروت » . ثم ذكر معارضة فرعون ، فقال :

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 79 إلى 82 ]

وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ ( 79 ) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ ( 80 ) فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ( 81 ) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ( 82 ) قلت : ( ما جئتم به ) موصولة على من قرأ : « السحر » بلا استفهام ، ومن قرأ بالاستفهام ف « ما » مبتدأ ، و ( جئتم ) خبرها ، و ( السحر ) : بدل منه ، أو خبر لمحذوف ، أي : أهو السحر ؟ أو مبتدأ حذف خبره ، أي : السحر هو . يقول الحق جل جلاله :
وَقالَ فِرْعَوْنُ
لما أراد معارضة موسى عليه السّلام :
ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ
وفي قراءة الأخوين : « سحّار » ،
عَلِيمٍ
: حاذق في فنه ،
فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ
،
فَلَمَّا أَلْقَوْا
حبالهم وعصيهم ، فانقلبت حيّات في أعين الناس ، يركب بعضها بعضا ،
قالَ
لهم
مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ
أي : الذي جئتم به هو السحر ، لا ما سماه فرعون وقومه سحرا من معجزات العصا . وقرأ البصري : « آلسحر » أي : أىّ شئ جئتم به هو السحر هو ؟
إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ
: سيمحقه ، أو سيظهر بطلانه ،
إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ
لا يثبته ولا يديمه ، وفيه دليل على أن السحر تمويه لا حقيقة له ،
وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ
السابقة الأزلية ، أو بأوامره وقضاياه ،
وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ
ذلك . الإشارة : الأكوان كلها عند أهل التحقيق شعوذة سحرية ، خيالية كخيال السحر الذي يظهره المشعوذ ، تظهر ثم تبطن ، وليس في الوجود حقيقة إلا الواحد الأحد الفرد الصمد ، فهي ثابتة بإثباته ، ممحوة بأحدية ذاته . وهي أيضا
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 491 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان