تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧
هو الذي جعل ليل القبض لتسكنوا فيه عن التعلق بالغير ، ونهار البسط لتبصروا في انتشاركم الحقائق العرفانية والأسرار الربانية ، إن كنتم تسمعون به ومنه ، فتنزهونه عما لا يليق به ، كما قال تعالى :

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 68 إلى 70 ]

قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 68 ) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ( 69 ) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ( 70 ) قلت : ( عندكم ) : متعلق بالاستقرار ، و ( من سلطان ) فاعل به ؛ لأن المجرور والظرف إذا نفى يرفع الفاعل بالاستقرار ، و ( متاع ) : خبر ، أي : ذلك متاع . . . إلخ . يقول الحق جل جلاله :
قالُوا
أي : المشركون ومن تبعهم :
اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً
أي : تبنّاه كالملائكة وغيرهم ،
سُبْحانَهُ
أي : تنزيها له عما يقول الظالمون ، فإن التبني لا يصح إلا ممن يتصور منه الولد ،
هُوَ الْغَنِيُّ
عن كل شئ ، مفتقر إليه كلّ شئ ، والولد مسبب عن الحاجة ، والحق تعالى
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
ملكا وعبيدا ، فلا يفتقر إلى اتخاذ الولد ، وهو الغنى بالإطلاق ، لا يحتاج إلى من يعينه ، واجب الوجود لا يفتقر إلى من يخلفه في ملكه .
إِنْ عِنْدَكُمْ
أي : ما عندكم
مِنْ سُلْطانٍ
أي : برهان
بِهذا
، بل افتريتموه من عندكم ،
أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
، وهو توبيخ وتقريع على اختلاقهم وجهلهم ، وفيه دليل على أن كل قول لا دليل عليه فهو جهالة ، وأن العقائد لا بد فيها من قاطع ، وأن التقليد فيها غير سائغ . قاله البيضاوي . قلت : والتحقيق أن إيمان المقلّد صحيح ، وأن تقليد الأنبياء والرسل والكتب السماوية صحيح مكتف عن الدليل . ثم هدد أهل الشرك فقال :
قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
باتخاذ الولد وإضافة الشريك إليه ،
لا يُفْلِحُونَ
: لا ينجون من النار ، ولا يفوزون بالجنة ، إنما ذلك الافتراء
مَتاعٌ فِي الدُّنْيا
يقيمون به رئاستهم في الكفر ، فيتمتعون به قليلا ، أو لهم تمتع في الدنيا مدة أعمارهم ،
ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ
بالموت ، فيلقون الشقاء المؤبد ،
ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ
. الإشارة : إظهار الكائنات من الغيب إلى الشهادة كلها على حد سواء في الاختراع والافتقار ، ليس بعضها أقرب من بعض ، وأما قوله : - عليه الصلاة والسلام - : « الخلق عيال اللّه وأحبّ الخلق إلى اللّه أنفعهم لعياله » فمعناه أنهم في حفظه وكفالته مفتقرون إليه في إيصال المادة ، كافتقار الولد إلى أبيه .