تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المظهرى — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
ونفى الدرك لا يستلزم نفى الروية قال اللّه تعالى فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى انا لمدركون قال كلا ان معي ربى وأيضا مفهوم الآية سلب عموم الدرك لا عموم سلب الدرك واما قوله ما كان لبشر ان يكلمه اللّه إلا وحيا أو من وراء حجاب ترديد بين الوحي من وراء الحجاب والوحي بلا حجاب فلا استدلال به واللّه تعالى اعلم وروى مسلم عن أبي ذر قال سالت رسول اللّه صلعم هل رأيت ربك قال نوراني أراه انى بفتح الهمزة للاستفهام يعنى كيف أراه وفي بعض الروايات نوراني منسوب إلى النور أراه فعلى الرواية الثانية يثبت الروية وعلى الرواية الأولى ليس الحديث صريحا في نفى الروية مطلقا قلت وبعد ثبوت روية صلعم ربه بالعين كما يدل عليه حديث ابن عباس وكعب أيضا ان المراد بالرؤية في الآية الروية القلبية فإنها هي المتصورة عند كل وحي يوحى اليه دون الروية البصرية فإنها مختصة بليلة المعراج قرأ أبو جعفر وهشام عن أبي عباس كذب بتشديد الذال من التكذيب يعنى ما كذب قلب محمد صلعم ما رأى بعينه أو بقلبه بل صدقه وأيقنه وهو حققه فان الأمور القدسية تدرك أو لا بالقلب ثم ينتقل منه إلى البصر والبصيرة فان ابصر مثل ما أدرك بالقلب وان قصر بصره أو بصيرته عما أدركه القلب ورأى بخلافه كذبه وهذا هو المصداق الفارق بين العلوم الحقة الفائضة من الرحمن وبين الخيالات الوهمية وملتبسات الشيطانية فان الصوفي قد يلتبس عنده العلوم والإلهامات والمكاشفات القدسية المفاضة عليه من اللّه سبحانه بما يتخيله الوهم والخيال وبما القى الشيطان في أمنيته والفارق بينهما ان يرجع الصوفي إلى قلبه فان صدقه قلبه واطمأن به ورأى في قلبه منه برد اليقين علم أنه من اللّه سبحانه وان كذبه قلبه واضطرب عنده وأبى عرف انه من النفس أو الشيطان قال رسول اللّه صلعم إذا جاءك في صدرك شئ فدعه رواه أحمد عن أبي امامة أو قال عليه السلام استفت قلبك وان أفتاك المفتون وقرأ الجمهور بتخفيف الذال والكذب يجئ متعديا بمعنى كذب له ومجازه ما كذب الفؤاد لمحمد صلعم فيما رأى يعنى أخبره على ما في نفس الأمر فان قيل هذه الآية يقتضى ان تصديق القلب يغاير روية القلب قلنا نعم وتحقيق المقام ان قلب المؤمن يدرك اللّه سبحانه وصفاته يمعية ذاتية غير متكيفة مترتبة على محبة ذاتية غير متكيفة ولا يراه بل روية مقتصرة على مراتب الظلال بل القلب لا يرى شيئا من ذوات الممكنات أيضا فان حصول الأشياء في الأذهان انما هي باشباهها وظلالها لا بأنفسها وما يرى ذات شئ مما يراه الا يتوسط الباصرة فروية اللّه سبحانه تيسير للمؤمنين في الآخرة بتوسط الحاسة لا في الدنيا الا ما ذكرنا من الخلاف في حق النبي صلعم خاصة ودركه تعالى مختص بالقلوب دون الابصار فإنه تعالى لا تدركه الابصار