في صحة الاستثناء لان زوال الحكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض وهم المراد بالاستثناء الثاني فإنهم يفارقون عن الجنة أيام عذابهم فان التأبيد من مبدأ معين ينتقض باعتبار الابتداء كما ينتقض باعتبار الانتهاء وهؤلاء وان شقوا بعصيانهم فقد سعدوا بايمانهم - ولا يقال فعلى هذا لم يكن قوله تعالى فمنهم شقى وسعيد تقسيما صحيحا لان من شرطه ان يكون صفة كل قسم منتفية عن قسيمه - لان ذلك الشرط انما يكون في الانفصال الحقيقي أو مانع الجمع والمراد هاهنا منع الخلوّ - والمعنى ان أهل الموقف لا يخرجون عن القسمين ولا يخرج حالهم عن الشقاوة والسعادة وذلك لا يمنع اجتماع الامرين في شخص باعتبارين انتهى - وقيل ما شاء هاهنا بمعنى من شاء والمراد بهم أيضا عصاة المؤمنين في الاستثناءين - ومرجع هذا القول إلى القول الثاني وقيل المستثنى في الفريقين زمان توقفهم في الموقف للحساب لأن الظاهر يقتضى ان يكونوا في النار أو في الجنة حين يأتي اليوم - أو مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ ان كان الحكم مطلقا غير مقيد باليوم - وعلى هذا التأويل يحتمل ان يكون الاستثناء من الخلود على ما عرفت في كلام البيضاوي المذكور سابقا - وقيل هو استثناء من قوله تعالى
لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ
- وقال السيوطي في البدور السافرة أشبه الأقوال بالصواب انه ليس باستثناء وانما الا بمعنى سوى كما تقول لك علىّ ألف درهم الا الألفان القديمان اى سوى الألفين - والمعنى خالدين فيها مدة دوام السماوات والأرض في الدنيا سوى ما شاء ربك من الزيادة عليها مما لا منتهى له - وذلك عبارة عن الخلود - والنكتة في تقديم ذكر مدة السماوات والأرض التقريب إلى الأذهان بذكر المعهود أوّلا - ثم اردافه بما لا إحاطة للذهن به - وقيل الا بمعنى الواو يعنى ما دامت السماوات والأرض في الدنيا وما شاء ربك من الخلود كقوله تعالى
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا
يعنى ولا للذين ظلموا - وقال الفراء هذا استثناء استثناه ولا يفعله كقولك واللّه اضربنك الا ان أرى غير ذلك وعزيمتك ان تضربه - فالمعنى الا ما شاء ربك يعنى لو شاء ربك لأخرجهم منها ولكنه لم يشأ - وقال قتادة اللّه اعلم بثنياه
إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ
( 107 )
وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا
قرأ حفص وحمزة وخلف - أبو محمّد والكسائي بضم السين على البناء