قوله تعالى :
[ سورة المنافقون ( 63 ) : آية 2 ]
اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 2 )
قوله : ( حلفهم الكاذب ) وفيه إشارة إلى أنهم طلبوا الوقاية باليمين الفاجرة على أنهم آمنوا كإيمان المؤمنين المخلصين غير هذه الشهادة فيكون هذا عيبا آخر ولذا قدمه للترقي في الذم .
قوله : ( أو شهادتهم هذه فإنها تجري مجرى الحلف في التوكيد ) قوله فإنها تجري الخ بيان وجه التعبير بالإيمان عن الشهادة مجرى الحلف في التوكيد بقول الرجل أشهد أو أشهد باللّه موضع أقسم واستشهد به أبو حنيفة على أن أشهد يمين وكذا أفعال العلم واليقين أجرتها العرب مجرى القسم وتلقته بما يتلقى به القسم ولذا قال تعالى :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ
[ المنافقون : 1 ] بما يجري مجرى القسم ردا بالقسم ما يكون صادرا عنهم بالقسم وإلا لكفى أن يقال في الرد و
إِنَّكَ لَرَسُولُهُ
[ المنافقون : 1 ] .
قوله : ( وقرىء إيمانهم ) بكسر الهمزة أي ما أظهروه بألسنتهم وقارئه الحسن وفي الكشاف ويعضده قوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا
[ المنافقون : 3 ] الآية .
قوله : ( وقاية عن القتل والسبي ) أي جنة يراد بها الوقاية مجازا لأنها تلزم الجنة فالكلام على التشبيه البليغ .
قوله : ( صدا أو صدودا ) أي صدوا متعد مشتق من الصد المتعدي بمعنى المنع فالمفعول محذوف أي فصدوا الناس عن الإيمان بسبب تلك الجنة قدمه لأنه أظهر لأن إعراضهم أمر مستمر غير مسبب عن اتخاذ الإيمان جنة كذا قيل وفيه نظر لأن صدهم الناس عنه في عدم إظهارهم الإيمان أقوى منهم في إظهارهم ذلك فلا يكون المنع مسببا عن الاتخاذ المذكور فضلا عن الأظهرية فالأولى كون الفاء للتعقيب بلا سببية في الاحتمالين أو للترتيب في الذكر كما في قوله تعالى :
ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ
[ الحج : 15 ] ووجه تقديم الأول هو أنه تأسيس وأما الثاني فهو كالتأكيد لأنه منفهم مما قبله .
قوله : حلفهم الكاذب قال الزمخشري يجوز أن يراد بقوله عز وجل :
اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً
[ المنافقون : 2 ] إن قولهم :
نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ
[ المنافقون : 1 ] يمين من أيمانهم الكاذبة لأن الشهادة تجري مجرى الحلف فيما أن يراد من التوكيد يقول الرجل اشهدوا شهد باللّه وأعزم وأعزم باللّه في موضع أقسم وأولى وبه استشهد أبو حنيفة رحمه اللّه على أن اشهد يمين وقال صاحب الانتصاف لا دليل فيه عليه لأن غاية ما فيه أن يسمى يمينا والكلام في وجوب الكفارة بذلك لا في إطلاق الاسم وليس كل ما يسمى يمينا يجب به الكفارة فلو قال احلف على كذا لا يجب عليه الكفارة وإن كان حلفا .
قوله : فإنها تجري مجرى الحلف في التوكيد تعليل لإطلاق اليمين على الشهادة وإيذان بأن لفظ اليمين في الشهادة مجاز والجامع التوكيد .