أن قولهم هذا مقت الخ يؤيد ما ذكرنا في بيان الحاصل خالص وخلوصهم مستفاد من كونه كبيرا إذ الكبر مستعار لهذا من كبر الجسم عند من وهو اللّه تعالى يحضر من الباب الثاني أو السادس دونه أي عنده كل عظيم من المخلوقات ومع ذلك اثبات الكبر له عنده مبالغة لا مبالغة فوقها وهذا من المصنف يشعر بحسب الظاهر أن كبر في معناه لا بمعنى بئس لكن ينبغي أن يكون مراده حل الكلام على مقتضى الظاهر ذريعة إلى بيان قبحه على وجه الكمال والتعجب المفرط التام .
قوله تعالى :
[ سورة الصف ( 61 ) : آية 4 ]
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ ( 4 )
قوله : ( مصطفين مصدر وصف به ) إشارة إلى أنه حال مأول بالمشتق وإفراده لكونه مصدرا والجمع لتأويله بالمشتق لكن هذا التأويل لا يلائم قوله مصدر وصف به .
قوله : ( في تراصهم من غير فرجة ) في تراصهم بيان وجه الشبه لكن الأولى في التراص بدون إضافة من غير فرجة حقيقة في المشبه به وصورة في المشبه وهذا عام للمقاتلة مشاة أو راكبين إذ التراص الصوري متحقق في الصورتين وقيل التراص ظاهر في الجهاد مشاة ولا يخفى ما فيه .
قوله : ( حال من المستكن في الحال الأولى والرص اتصال بعض البناء بالبعض واستحكامه ) حال من المستكن إذ كونهم مصطفين أعم فقيد بالتراص والحال الأولى مشتملة على الثانية فوجد معنى التداخل فيها والمشبه المقاتلون بقيد الاصطفاف والمشبه به المقاتلون أيضا بقيد التراص فظهر وجه التقديم ووجه كون الأولى مفردة والثانية جملة .
قوله تعالى :
[ سورة الصف ( 61 ) : آية 5 ]
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 5 )
قوله : (
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ
[ الصف : 5 ] ) إما كلام مستأنف مسوق لتقرير شناعة قوله : حال من المستكن في الحال الأولى أي الحال الأولى منتصب عن ضمير يقاتلون والثانية من ضمير الحال الأولى فالمعنى يقاتلون مصطفين كائنين في اصطفافهم كأنهم بنيان مرصوص قال صاحب الانتصاف وإنما حملت الثانية على تداخل الحال لأن هيئة التراص هي هيئة الاصطفاف وقال صاحب الانتصاف ليس المراد بالتداخل هذا بل أن الحال الثانية وقعت جزءا من الحال الأولى لأن معنى صفا مصطفين وفيه ضمير وقوله :
كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ
[ الصف : 4 ] حال من الضمير المذكور فالحال الثانية داخلة في الأولى كقوله تعالى :
إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ
[ الأنبياء : 2 ، 3 ] قال الزمخشري في قوله :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ
[ الصف : 4 ] عقيب ذكر مقت المخلف دليل على أن المقت قد تعلق بقول الذين وعدوا الثبات في قتال الكفار فلم يفوا وقال صاحب الانتصاف أي هو بساط لهذا كما تقول لا تفعل ما يلصق بك العار لا تشاتم زيدا ليقع النهي مرتين عاما وخاصا فهو أولى من النهي على الخصوص مرتين فإن ذلك تكرار وقال الطيبي لما بولغ في بعض القول إبهاما جيء بما يحب من الفعل تعريضا قوبل البعض بالحب والقول بالفعل ووصفه بالبنيان المرصوص تعريضا بالقول المتزلزل والوعد المخلف .