ما رزقوه إليهما كما اكتفى بيان السبب الإيفاء بما أوجبه على نفسه ليعلم وفاؤهم بما أوجبه اللّه تعالى عليه بالطريق الأولى وفيه من صنعة الغرابة ما لا يخفى على ذوي البصيرة والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه والظاهر أن حفظ الإيمان داخل في إيفاء النذر والمراد بالنذر ما يوافق الشرع فإن ما يخالفه كالنذر على المعصية لا وفاء فيه بل يجب تركه .
قوله : ( شدائده ) وعذابه وعبر عنها بالشر لأنه مضرة عظيمة والمراد لازمه وهو احترازهم عما يؤدي إليه ومن جملته عدم وفاء النذر فهو من عطف العلة على المعلول وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية أو يقدر كان أي كانوا يوفون بالنذر وكانوا يخافون وتنكير يوما للتفخيم والمراد يوم القيامة ولم يصرح به لإغناء الوصف عنه وفيه تهويل عظيم .
قوله : ( فاشيا منتشرا غاية الانتشار ) فاشيا من الفشو وهو الشيوع وتفسيره بالظهور غير ظاهر ولذا قال منتشرا غاية الانتشار هذا معنى مستطيرا فالانتشار أعم والاستطار أخص ولذا اختير في النظم مستطيرا على منتشرا وعن هذا قال من استطار الخ .
قوله : ( من استطار الحريق والفجر وهو أبلغ من طار ) من البلاغة أو من المبالغة من طار لأن السين في الأصل للطلب وما كان بالطلب يوجد على وجه الكمال ولا طلب هنا فالمراد لازمه كما مر في قوله تعالى :
حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ
[ المدثر : 50 ] وهو أبلغ من نافرة .
قوله : ( وفيه إشعار بحسن عقيدتهم واجتنابهم عن المعاصي ) لما مر من أن الكلام كنوي إذ الخوف بدون ذلك غير مفيد بل ليس بخوف وإنما قال إشعار لظهوره كأنه معلوم بالحواس قوله بحسن عقيدتهم إشارة إلى تكميل القوة النظرية قوله واجتنابهم عن المعاصي تنبيه على تكميل القوة العملية إذ النجاة بهما لا بأحدهما وحدها ويدخل في اجتناب المعاصي فعل المأمورات فإن تركها معصية والاجتناب عنها بإتيانها .
قوله تعالى :
[ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 8 ]
وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ( 8 )
قوله : ( ويطعمون الطعام ) مدح لهم بأنهم مع أنهم يؤدون الفرائض والواجبات ويجتنبون المنكرات يطعمون الطعام بالإنفاق أو بالإباحة نافلة ويفهم من فعل النوافل فعل الواجبات بدلالة النص أو الإشارة .
قوله : ( حب اللّه تعالى أو الطعام أو الإطعام ) حب اللّه مرجع الضمير هو اللّه تعالى قدمه لأن محبة اللّه التي عبارة عن طاعة اللّه تعالى أساس محبة غيره تعالى فإن محبة إعطاء الطعام لطلب مرضاة اللّه تعالى ومحبة المال لصرفه إلى ما أمره اللّه تعالى من مؤنة نفسه وأهله وعياله ومحبته بدون ذلك ليست بمحبة معتدا بها قدم الاحتمال الثاني في سورة قوله : وفيه إشعار بحسن عقيدتهم واجتنابهم عن المعاصي معنى الإشعار مستفاد من معنى المبالغة المستفادة من مستطيرا .