تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 473

مساهمون:

ص٤٧٣
الإنسان من طور وحال إلى حال أخرى كنقله من نطفة إلى علقة ومنها إلى مضغة وهكذا فيكون حالا محققة فاستعار له الابتلاء بالتكليف بعد تشبيهه به في مطلق الظهور فإن المنقول يظهر في كل طور وحال ظهورا آخر كما أن نتيجة الامتحان تظهر بعده والأول أقل مؤنة ولذا قدمه وإن روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنه أن الابتلاء تصرفه في بطن أمه نطفة ثم علقة . قوله : ( ليتمكن من مشاهدة الدلائل واستماع الآيات ) إشارة إلى وجه تخصيصهما بالذكر من بين القوى هذا إشارة إلى جعله بصيرا قوله واستماع الآيات إشارة إلى جعله سميعا مثل لف ونشر غير مرتب وقدم السمع لأنه أشرف من البصر إذ فقده مستلزم لفقد تحصيل الكمالات بأسرها بخلاف البصر . قوله : ( فهو كالمسبب من الابتلاء ) أي جعله تعالى سميعا الخ كالمسبب من الابتلاء لأن المقصود من جعله كذلك مشاهدة الدلائل الدالة على التوحيد واستماع الآيات المنقولة كما صرح به آنفا فيكون إرادة الابتلاء سببا لجعله كذلك لا نفس « 1 » الابتلاء وهذا غير ظاهر على حمل الابتلاء على النقل من حال الخ فحينئذ يكون قوله فجعلناه مسببا « 2 » عن نقله من طور إلى طور إلى أن يتم خلقه إذ ما لم يتم خلقه لا يجعله كذلك لكنه لم يشر إليه لأن الراجح الاحتمال الأول وإنما قال كالمسبب بالكاف لأن الظاهر العكس إذ الجعل المذكور سبب للابتلاء بالتكليف إذ لا يتأتى الامتثال به بدون القوى المذكورة والعقل وإرادة الابتلاء سبب للجعل المذكور لكن المذكور هو نفس الابتلاء أو لأن أفعاله تعالى لا تحتاج إلى الأسباب والعلل فهو كالمسبب له في الترتب عليه بحسب الجعل لا المسبب له حقيقة . قوله : ( ولذلك عطف بالفاء على الفعل المقيد به ) أي ولأجل أنه كالمسبب عطف بالفاء الدالة على السببية فتكون الفاء استعارة إذ مدخولها ليس مسببا حقيقة إما استعارة مكنية وتخييلية أو استعارة تبعية « 3 » والمراد بالفعل المقيد
إِنَّا خَلَقْنَا
[ الإنسان : 2 ] وقيده قوله :
نَبْتَلِيهِ
[ الإنسان : 2 ] لكونه حالا . لاستلزام كل منهما ظهور حال عن حال ثم سرى منه إلى الفعل استعارة تبعية فعلى هذا أيضا يحسن ترتب ما بعد الفاء على
نَبْتَلِيهِ
[ الإنسان : 2 ] والمعنى
خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ
[ الإنسان : 2 ] ناقلين له من النطفة إلى العلقة ثم إلى المضغة ثم إلى العظام ثم إلى اللحم ثم إلى جعله سميعا بصيرا وقيل هو في تقدير التأخير يعني فجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه وهذا الوجه رواه الواحدي عن الفراء وأنه قال المعنى جعلناه سميعا بصيرا لنبتليه ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر وعلى هذا يكون فيه قلب وكثرة حذف لأن الأصل لأن نبتليه فحذف حرف الجر ثم حذف إن ورفع الفعل فللزوم كثرة الحذف والقلب قال صاحب الكشاف وهو من التعسف .
هامش
( 1 ) إذ الابتلاء بدون السمع والبصر والعقل وسائر آلات التمييز غير متصور . ( 2 ) لكن بينهما فرق إذ الثاني بالنسبة إلى الخلق والإيجاد والأول بالنسبة إلى المقصود . ( 3 ) إن كان الاستعارة في مدخول الفاء مكنية والفاء تخييلية أو تبعية إن كانت في لفظة الفاء .