مر عليه بعض من الدهر ولو اكتفى بالحين أو الدهر لتبادر إلى ما هو بالقوة البعيدة وهو ليس بمقصود وينكشف منه أن كون المراد النطفة أولى إن أريد بالإنسان الجنس ولك أن تقول قوله كالعنصر إشارة إلى كون المراد بالإنسان آدم عليه السّلام لكن لا مطلق العنصر بل ما هو مادته كما مر بيانه من أن ما مر عليه من الزمان أربعون سنة أو مائة وعشرون في رواية الضحاك أنه خلق من طين فأقام أربعين سنة ثم من حمأ مسنون فأقام أربعين سنة ثم من صلصال فأقام أربعين سنة فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة ثم نفخ فيه الروح ولو عمم العنصر إلى الجنس يكون المراد العنصر الذي تولد منه الأغذية التي تتولد منها النطفة لا مطلق العنصر وإنما قال كالعنصر الخ لأن الأغذية والأخلاط الأربعة من مواد الإنسان .
قوله : ( والجملة حال من الإنسان ) وقد عرفت أن الإنسان مجاز أولى والمراد مادته بالقوة القريبة من الفعل .
قوله : ( أو وصف لحين بحذف الراجع ) وهو الجار والمجرور أي فيه وقد مر مرارا أنه مما ينازع فيه اخره لأن الوصف لا بد وأن يكون معلوما للمخاطب وفيه خفاء .
قوله : ( والمراد بالإنسان الجنس ) الشامل لآدم وأولاده وقد مر بيانه وهذا هو الظاهر .
قوله تعالى :
[ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 2 ]
إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً ( 2 )
قوله : ( لقوله :
إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ
[ الإنسان : 2 ] ) لكن فيه تغليب لأن آدم عليه السّلام لم يكن مخلوقا من ذلك والقول بأن المراد جنس بني آدم وهو خارج عنه بعيد فإظهار الإنسان حينئذ لزيادة التقرير لما في الإظهار من مزيد البيان وشرف الإنسان ولو كان المراد مجازا والتعبير بنون العظمة لإظهار شرافته .
قوله : بحذف الراجع تقديره لم يكن فيه شيئا مذكورا .
قوله : لقوله :
إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ
[ الإنسان : 2 ] يعني أن الاسم المعرف باللام إذا أعيد كان الثاني عين الأول فحين أعيد الإنسان علم أن السابق كذلك وهذا رد على من ذهب إلى أن المراد بالإنسان آدم عليه السّلام كالواحدي وغيره ولعلهم نظروا إلى قوله :
مِنْ نُطْفَةٍ
[ الإنسان : 2 ] فإن آدم لم يخلق منها وأجيب عنه بأنه من باب التغليب كقولهم بنو فلان قتلوا زيدا والقاتل واحد منهم على ما ذكر في قوله تعالى :
وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا
[ مريم : 66 ]
أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً
[ مريم : 67 ] إنه لما كانت هذه المقالة موجودة فيمن هو من جنسهم صح إسناده إلى جميعهم كذا الوجه هنا فإن الإنسان الثاني اسم ظاهر وضع موضع الضمير لإفادة الترقي أي كان الإنسان كالشئ المنسي الذي لا يلتفت إليه ولا يذكر فإنا قلبناه في الأطوار المتباينة والأحوال المتخالفة وجعلناه مما يذكر ويعتبر حيث جعلناه محلا للمعرفة والعبادة سميعا بصيرا ثم فصله بقوله سبحانه
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
[ الإنسان : 3 ] وبين افتراقهم بقوله :
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ
[ الإنسان : 4 ] وقوله :
إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ
[ الإنسان : 5 ] ففيه جمع وتقسيم وتفريق .