أصل الشكر كاف والمبالغة فيه لبعضهم من الخواص واختير صيغة المبالغة في الثاني لأن كفرانهم على وجه المبالغة حيث أبطلوا استعدادهم لا سيما سمعهم وأبصارهم اللذان ترتب قوله :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ
[ الإنسان : 3 ] على إعطائهما ظاهرا وإن كان المراد إعطاء جميع الحواس والعقل جميعا .
قوله : ( أو من السبيل ووصفه بالشكر والكفر مجاز ) أي أو حال من السبيل لقربه لفظا وإن أبعد معنى كما أشار إليه بقوله ووصفه الخ قوله مجاز للمبالغة حيث فهم منه أن الشكر والكفر بلغا إلى مرتبة حتى سارت إلى سبيلهما .
قوله : ( وقرىء أما بالفتح على حذف الجواب ) المناسب للمقام أي إما شاكرا فلتوفيقنا مع صرف الإرادة الجزئية نحوه بالنظر الصائب والفكر الثاقب وإما كونه كفورا فبسبب صرف الإرادة الجزئية نحو الشر بترك النظر الصحيح في الدلائل وهذه القراءة تؤيد كون إما بالكسر للتقسيم دون التفصيل بالمعنى المذكور لأن هذا التفصيل يقتضي أنه يفهم من قوله :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ
[ الإنسان : 3 ] إجمالا أن الإنسان فريقان في شأن الهداية قوله :
إِمَّا شاكِراً
[ الإنسان : 3 ] تفصيل ذلك المجمل فلا يحسن أن يقال إن هذا القول مجمل من حيث الدلالة على الأحوال .
قوله : ( ولعله لم يقل كافرا ليطابق قسيمه ) متعلق بالمنفي .
قوله : ( محافظة على الفواصل وإشعارا بأن الإنسان لا يخلو عن كفران غالبا وإنما المأخوذ به التوغل فيه ) محافظة علة النفي قوله قسيمه فيه تنبيه على رجحان كون إما للتقسيم ولو قيل أو كافرا لا يضر المحافظة على الفواصل وقد مر الكلام في تحقيق هذا قوله : وقرىء إما بالفتح على حذف الجواب وتقديره أما من هديناه شاكرا فمثاب وأما من هديناه كفورا فمعاقب وهذا ضعيف لأن فيه حذف ذي الحال والعامل وخبر المبتدأ والفاء قال صاحب الكشاف وقرأ أبو السماك بفتح الهمزة في أما والمعنى
إِمَّا شاكِراً
[ الإنسان : 3 ] فبتوفيقنا
وَإِمَّا كَفُوراً
[ الإنسان : 3 ] فبسوء اختياره هذا بناء على مذهبه وقال الإمام هذه القراءة تقوي تأويل أهل السنة والجماعة المعنى إنا هديناه السبيل ثم جعلناه تارة شاكرا وتارة كفورا كما في قوله تعالى :
إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ
[ التوبة : 106 ] قال الطيبي هذه الآية من باب الجمع مع التقسيم والتفريق فمعنى إنا هديناه السبيل إنا دللناه على طريق الخير والشر بإرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الأدلة ليمتاز السعيد من الشقي والشاكر من الكفور أما شاكرا فيما خلقناه سعيدا وإما كفورا فبإقدارنا إياه شقيا ثم فرق بينهما بقوله :
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا
[ الإنسان : 4 ] وقوله :
إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ
[ الإنسان : 5 ] .
قوله : لم يقل كافرا ليطابق قسيمه محافظة على الفواصل في كلامه هذا علتان الأولى أعني قوله ليطابق علة المنفي والثانية وهي قوله محافظة علة النفي .
قوله : وإشعارا بأن الإنسان لا يخلو عن كفران غالبا معنى الإشعار بمعنى الغلبة مستفاد من صيغة فعول الموضوعة للمبالغة .