تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
فالمحذوف نفسه لا غيره لقيام القرينة عليه والقول بأنه نزل منزلة اللازم يخالف تصريح المصنف بالمفعول وكذا القول بأن الثاني وهو قوله أي الذي زمل نفسه متجه على القراءتين مخالف لبيان المصنف لأنه اعتبر في قراءة الفتح كون الفاعل مغايرا له والمتبادر التغاير بالذات وكون مراد المصنف التغاير الاعتباري بعيد جدا نعم هذا صحيح في نفسه كما أوضحناه في تصوير التغاير الاعتباري فإن قيل إنه لا يخلو من أن يكون زمل نفسه أو زمله غيره فأحدهما متعين والقراءات كلها متواترة فكيف اجتمعا قلنا إن اعتبر التغاير الاعتباري وإن كان خلاف المتبادر فلا إشكال أصلا وإلا فيجوز أنه عليه السّلام زمل نفسه أولا ثم زمله غيره أو بالعكس لانكشاف الثوب عنه إما بالنوم أو بغيره وأما القول بأنه هو زمل نفسه من غير شبهة فإن نظر إلى أن كل أفعال من اللّه تعالى فقد زمله غيره فضعيف لأن إسناد الفعل إلى الكاسب حقيقة وإلى الخالق مجاز فيلزم الجمع بينهما وهو غير جائز عند أئمتنا الحنفية وأيضا التعبير بغيره في شأنه تعالى مما لا يقرع سمعنا وأيضا ذكر أحدهما لا ينفي الآخر حتى يتوهم الإشكال فيقال كلاهما واقعان فأحدهما ذكر في قراءة والآخرة في قراءة أخرى . قوله : ( سمي به النبي عليه السّلام تهجينا لما كان عليه فإنه كان نائما ) أي أطلق عليه في القراءات كلها تهجينا لما كان عليه وتشويقا على أمر أحسن منه وأهم فالتهجين لهذا ليس من باب المعاتبة بل ربما يعد مثل هذا من باب الملاطفة وأرباب الحواشي اختلفوا فذهب بعضهم إلى أنه سوء الأدب وبعضهم اختار أنه لطيف العتاب الممزوج بالرأفة وقد خوطب بما هو أشد منه في قوله تعالى :
عَبَسَ وَتَوَلَّى
[ عبس : 1 ] الآية ولو لوحظ ما ذكرناه من أن المراد به التحريض على أمر خير منه لا يتوهم إساءة الأدب على أن الشيخين عبرا به من طرف اللّه تعالى ألا يرى أن أحدا من الرعايا خاطب الوزير من قبل السلطان لا يلام بل لا بد منه تفهيما للوزير ما أراده الملك وعدم التصريح لظهور المراد بالقرينة القوية لا يضر ولم ينصف صاحب الانتصاف في التشنيع ومن تبعه من المحشيين حيث ادعوا أنهما ساءا الأدب فإن قالوا إنهما لم يدريا كون هذا سوء الأدب فقد أساؤوا الأدب وإن قالوا إنهما مع علمهما بأنه سوء الأدب يسكب فيه العبرات واللّه رؤوف بالعباد وللّه در صاحب الكشاف حيث كشف الحجاب عمن هو مطرود عن الباب . قوله : ( أو مرتعدا ) أخره لأن ظاهره لا يلائم قوله تعالى :
قُمِ اللَّيْلَ
[ المزمل : 2 ] الخ فإنه يناسب كونه نائما وإن أمكن أن يقال إن المعنى قم ولا تخف
إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
[ النمل : 10 ] فاشتغل بالصلاة فإنها تدفع الخوف والحزن . قوله : ( مما دهشه من بدء الوحي متزملا في قطيفة ) دهشه على صيغة الماضي لا على قوله : سمي به النبي عليه السّلام تهجينا لما كان عليه أي تهجينا لنومه وتزمله بالثياب وعدم تشمره لتلقي الوحي حين ما جاء به جبريل عليه السّلام .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 371 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر