واحتمال أن المخففة هنا وفيما مر ممكن قوله :
أَنِ اعْبُدُوا
[ نوح : 3 ] اللّه متعلق بنذير أي نذير بعبادة اللّه واتقائه واطاعتي على أن أن مصدرية والانذار متعلق بالمجموع من حيث المجموع باعتبار التقوى إذ المراد بالتقوى الزجر عن جميع المناهي وإذا لم ينزجر يستحق العذاب ويمكن أن يقال إذا لم يعبد اللّه ولم يطع الرسول يستحق العقاب وبهذا الاعتبار يوجد الانذار والظاهر أن المراد بالعبادة التوحيد أو العام ويدخل التوحيد دخولا أوليا والمعنى أن اعبدوا اللّه وحده بقرينة قوله في سورة الأعراف :
ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
[ الأعراف : 73 ] والمراد بالتقوى التروك كما أن المراد بالعبادة الوجوديات فلا تكرار والتقديم لكون التوحيد أصلا موقوفا عليه .
قوله تعالى :
[ سورة نوح ( 71 ) : آية 4 ]
يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 4 )
قوله : ( بعض ذنوبكم وهو ما سبق فإن الإسلام يجبه فلا يؤاخذكم به في الآخرة ) فهو ما سبق لا ما تأخر أي المراد بالبعض مجموع ما سبق فإنه بعض بالنسبة إلى المجموع لكن المظالم لا تغفر بالإسلام كما صرح في سورة الأحقاف ولو أريد بما سبق بعض ما سبق لسلم عن التمحل ولو قيل إنه نبه في الموضعين على القولين مغفرة المظالم وعدم مغفرته لم يبعد فإن الإسلام يجبه أي يقطعه ويزيله .
قوله : ( هو أقصى ما قدر لكم بشرط الإيمان والطاعة ) بشرط الإيمان ظاهره القول بالأجل المعلق لكن بالنظر إلى اللوح لا بالنسبة إلى علم اللّه تعالى كذا في علم الكلام أي يكتب في المحظورات والمكروهات وقوله :
وَأَطِيعُونِ
[ نوح : 3 ] يتناول أمرهم بطاعته في جميع المأمورات والمنهيات ثم هذا وإن كان داخلا في الأمر بعبادة اللّه وتقواه فقد خصه بالذكر تأكيدا في ذلك التكليف ومبالغة في تقريره ثم إنه تعالى لما كلفهم بهذه الأشياء الثلاثة وعدهم شيئين أحدهما أن يزيل عنهم مضار الآخرة عنهم وهو قول :
يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ
[ نوح : 4 ] وثانيهما أن يزيل عنهم مضار الدنيا بقدر الإمكان وهو قوله :
وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
[ نوح : 4 ] .
قوله : هو أقصى ما قدر لكم بشرط الإيمان والطاعة هذا إشارة إلى التلفيق بين هذه الآية وبين قوله تعالى :
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ
[ الأعراف : 34 ] وفي الكشاف فإن قلت كيف قال :
وَيُؤَخِّرْكُمْ
[ نوح : 4 ] مع إخباره بامتناع تأخير الأجل وهل هذا إلا تناقض قلت قضى اللّه مثلا إن قوم نوح إن آمنوا عمرهم ألف سنة وإن بقوا على كفرهم أهلكهم على رأس تسعمائة فقيل لهم آمنوا يؤخركم إلى أجل مسمى أي إلى وقت سماه اللّه وضربه أمدا تنتهون إليه لا تتجاوزونه وهو الوقت الأطول تمام الألف ثم أخبر أنه إذا جاء ذلك الأجل الأمد لا يؤخر كما يؤخر هذا الوقت ولم يكن لكم حيلة فبادروا في أوقات الإمهال والتأخير ليلا ونهارا دائما من غير فتور مستغرقا به الأوقات كلها تم كلامه . هذا هو الذي ذكره الإمام بعينه في تفسيره وقال الواحدي ومحيي السنة المعنى يعافيكم إلى منتهى آجالكم فلا يعاقبكم إن أجل اللّه إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون يقول آمنوا قبل الموت تسلموا من الموت فإن أجل الموت إذا جاء لا يؤخر ولا يمكنكم الإيمان .