معنى صغت فإن قيل لم لم يفسر بميل قلوبكما إلى الحق أو إلى الواجب حتى يصلح كونه جوابا من غير احتياج إلى تقدير فإنه حينئذ يكون بمعنى الرغبة فالتوبة تكون سببا للرغبة إلى الواجب والحق قلنا سوق الكلام يقتضي بيان جنايتهما وقراءة ابن مسعود زاغت تؤيد ما ذكر وتعرض التوبة بدون ما يوجب التوبة لا يناسب ما قبله وأيضا هذا غير متعارف إذ المتعارف ذكرها مع ما يوجبها .
قوله : ( من مخالقة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يحب ما يحبه وكراهة ما يكرهه ) من مخالقة الرسول بالخاء المعجمة واللام والقاف موافقة أخلاقه والتخلق بأخلاقه بيان الواجب قوله يحب الخ متعلق بالمخالفة وهو من جوامع الكلم إذ كل ما يحبه من الواجبات بناء على حمله على الفرد الكامل وكل ما كرهه فتركه إما واجب أو مندوب فالمراد هو الفرد الكامل أيضا وبهذا الاعتبار يحسن أن يكون بيانا للوجوب والفاء تحريف من الناسخ .
قوله : ( وإن تتظاهرا عليه بما يسوؤه وقرأ الكوفيون بالتخفيف ) بما يسوؤه هذا القيد مخالصة رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم من حب ما يحبه وكراهة ما يكرهه وإنما فسر رحمه اللّه جواب الشرط بقوله فقد وجد منكما ما يوجب التوبة لأن قوله :
فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما
[ التحريم : 4 ] لا يصح أن يكون جوابا للشرط المذكور إلا بهذا التأويل لأن الشرط يجب أن يكون سببا للجزاء والتوبة ههنا ليس سببا لميل قلبهما عن الواجب بل الأمر بالعكس فإن الذنب موجب التوبة وسببها فالمذكور في حيز الجزاء ليس جزاء في الحقيقة بل هو دليل الجزاء فكأنه قيل إن تتوبا إلى اللّه فذلك لأن فيكما ما يوجب التوبة وهو في كون الواقع في حيز الجزاء دليل الجزاء مثل قوله :
وأن تفق الأنام وأنت منهم * فإن المسك بعض دم الغزال
وقال بعضهم التقدير أن تتوبا فلتوبتكما موجب وسبب كقوله من كان عدوا لجبريل فإن نزله فلمعاداته موجب وسبب وقال ابن الحاجب في الأمالي جواب الشرط
فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما
[ التحريم : 4 ] على الإخبار كقولهم إن أكرمتني اليوم فقد أكرمتك أمس فالإكرام المذكور شرط وسبب الإخبار بالإكرام الواقع من المتكلم لا نفس الإخبار لأن ذلك غير مستقيم لوجهين أحدهما أن الإكرام الثاني سبب للأول فلا يستقيم أن يكون مسببا عنه وثانيهما أن ما في حيز الشرط في معنى المستقبل وهذا ماض وعلى ما ذكرنا يحمل الجواب في الآية على أن تتوبا إلى اللّه يكن سببا لذكر هذا الخبر وهو قوله :
فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما
[ التحريم : 4 ] أي وجد منكما ما يوجب التوبة فإن قلت الآية سيقت في التحريض على التوبة فكيف تجعل سببا لذكر الذنب قلت ذكر الذنب متوبا منه لا ينافي التحريض ولا سيما الذنب مشهور المعنى أن تتوبا إلى اللّه يعلم براءتكما من إثم هذا الصغو لأن الخبر بالصغو سبب لذكره والذكر متوبا عنه سبب العلم براءتهما من إثمه واستغنى عنه بسبب السبب ولو جعل الجواب محذوفا لجاز تقدير أن تتوبا إلى اللّه يمح إثمكما ثم قيل فقد صغت قلوبكما جوابا لتقدير سؤال سائل عن سبب التوبة الماحية إلى هنا كلام ابن الحاجب قال الطيبي الفاء مانعة لأن موقع الاستئناف بين الجملتين خلو عن العاطف وأقول الفاء لا يمنع ذلك بل هو واقع في كثير من الجمل المستأنفة منها قولك : اعبد ربك فإن العبادة حق له وإن شئت فعليك بمطالعة علم البلاغة في باب الفصل والوصل وقال أبو البقاء جواب الشرط محذوف أي فذلك واجب ودل عليه قوله :
فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما
[ التحريم : 4 ] لأن ميل القلب سبب للذنب .