تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
قوله : ( لك هذه الزلة ) فإنه ترك الأولى بالنسبة إلى علو منزلته ولعله وإن حط عن الأمة لم يحط عن الأنبياء عليهم السّلام لعظم قدرهم ولذا قال عليه السّلام « أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل » كذا قاله المصنف في قصة آدم عليه السّلام في قبيل قوله تعالى :
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا
[ البقرة : 47 ] الآية فلا وجه لإشكال صاحب الانتصاف بأن تحريم الحلال مطلقا أو مؤكدا بيمين بمعنى الامتناع عنه ليس بزلة وكم من مباح يتركه المرء باختياره ولا يلحقه منه شيء وأما اعتقاد الحلال حراما وعكسه مما يلحق به الاثم فلا يصدر عنه عليه السّلام وحاشاه من نسبة مثله إليه انتهى ولا يخفى أن مراد الشيخين هو المعنى الأول إذ لا يخطر الاحتمال الثاني ببال أحد فضلا عن الشيخين وقد عرفت أن هذا بالنسبة إلى الأمة وأما بالنسبة إلى الأنبياء فلا يحط لا سيما إذا كان ذلك لابتغاء رضاء غيره تعالى فلا ريب أنه ترك الأولى وصاحب الانتصاف ذهل عن نكتة قوله تعالى :
تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ
[ التحريم : 11 ] الآية فإن الالتفات إلى ما سوى اللّه تعالى يعد ذنبا عند العارفين قال ابن الفارض :
ولو خطرت لي في سواك إرادة * على خاطري يوما حكمت بردتي
ولذا قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين الأحرار وقال الإمام الأعظم في الفقه الأكبر الأفخم وقد كانت منهم أي من الأنبياء زلات أي بالنسبة إلى مقاماتهم العاليات . قوله : ( فإنه لا يجوز تحريم ما أحل اللّه ) بالمعنى المذكور وهو الامتناع عنه مع اعتقاد حله بالنسبة إليهم ابتغاء لمرضاة غيره تعالى إذ الكلام فيه فلا تغفل عن هذا القيد والمفهوم منه أن تحريم الحلال بمعنى الامتناع عنه كسرا للشهوة الردية وطلبا لرضاء ربه العلية لا بأس به بل يرجى كونه مأجورا إن لم يؤد إلى مفسدة ومن هذا القبيل تحريم يعقوب عليه السّلام بعض الطعام على نفسه قال تعالى :
كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ
[ آل عمران : 93 ] الآية . قوله : ( رحمك حيث لم يؤاخذك به وعتابك محاماة على عصمتك ) أي محافظة والمعاتبة على سبيل اللطف قال القاضي عياض في الشفاء في قوله تعالى :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
[ التوبة : 43 ] عتاب على سبيل اللطف ولذا قدم
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ
[ التوبة : 43 ] الآية وهنا كذلك لكنه أخر هنا المغفرة مع انضمام الرحمة فاللطف هنا أشد من اللطف هناك . قوله تعالى :

[ سورة التحريم ( 66 ) : آية 2 ]

قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 2 ) قوله : ( قد شرع لكم تحليلها وهو حل ما عقدته بالكفارة ) الخطاب له عليه السّلام ولأمته ففيه تلوين الخطاب أو خطاب له عليه السّلام تعظيما له والأول أولى لعموم الحكم صريحا وفي الثاني يعلم بدلالة النص وفيه إشارة إلى أن التحلة مصدر بمعنى التحليل إذ أصله تحللة بوزن تذكرة من الحل بفتح الحاء ضد العقد وهنا المراد الحل والعقد المعنويين