والفجور ولو فرض الظلم فيما بينهم لاختل الحال ويمكن أن يراد بهما أنفسهما كما قال تعالى :
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ
[ مريم : 90 ] ويستلزم بقاء أهلهما بالعدل أيضا .
قوله : ( أو ما يعرف به مقادير الأشياء من ميزان ومكيال ) أشار به إلى أن المراد بالميزان ما يعرف به المقادير مجازا وهو مفهوم كلي شامل للمعنى الحقيقي وهو الميزان وللمعنى المجازي وهو المكيال وهذا جائز اتفاقا ولا جمع فيه بين الحقيقة والمجاز .
قوله : ( ونحوهما كأنه لما وصف السماء بالرفعة التي هي من حيث إنها مصدر القضايا والاقدار أراد وصف الأرض بما فيها مما يظهر به التفاوت ويعرف به المقدار ويسوى به الحقوق والمواجب ) ونحوهما كالمقياس كما هو المشهور بين عملة البناء كأنه لما وصف السماء بالرفعة الوصف بحسب المعنى وأراد بالرفعة الرفعة رتبة بقرينة قوله التي هي من حيث الخ لما عرفته من أنها شاملة لها أيضا أراد به بيان ارتباطه بما قبله لكن المناسبة حينئذ أن يذكر أولا وضع الأرض ولعل لهذا أخره مع أنه أشد ملائمة لقوله تعالى :
أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ
[ الرحمن : 8 ] الآية ولذا اقتصر عليه الزمخشري .
قوله تعالى :
[ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 8 ]
أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ ( 8 )
قوله : ( أي لأن لا تطغوا فيه ) أي كلمة أن مصدرية بتقدير الجار ويحتمل أن تكون تفسيرية كما في الكشاف لما في وضع الميزان بأي معنى كان معنى القول لأن الوضع بالوحي واعلام الرسل عليهم السّلام فح تكون لا ناهية وأما في الأول فهي نافية والفعل منصوب بأن علة لوضع الميزان ولعل لهذا اقتصر المصنف عليه على أن عدم ذكر أن التفسيرية لذكره في أمثاله وكثيرا ما يكتفي بذكر احتمال في موضع عن ذكره في موضع آخر .
قوله : ( أي لا تعتدوا ولا تجاوزوا الانصاف ) أي لا تعتدوا أي الطغيان تجاوز الحد والمراد هنا تجاوز الحد في الانصاف ولذا قال ولا تجاوزوا عن الانصاف وهذا جار على التفسيرين للميزان ولا يتبادر منه الوجه الأول لأن الانصاف بمعنى العدل إما مطلقا وهو الوجه الأول أو العدل في الميزان وهو الوجه الثاني فعلم منه أن المعنى الأول أعم من الثاني إذ العدل أعم من العدل فيما يعرف به مقادير الأشياء ومن غيره .
قوله : ( وقرىء
أَلَّا تَطْغَوْا
[ الرحمن : 8 ] على إرادة القول ) أي بتقدير القول أي ووضع الميزان حال كونه قائلا لا تطغوا وخاطب نبيه عليه السّلام فقال :
أَلَّا تَطْغَوْا
[ الرحمن : 8 ] ولذا قال على إرادة القول ولم يقل بتقدير قائلا أو بتقدير قل .
قوله تعالى :
[ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 9 ]
وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ ( 9 )
قوله : ( وأقيموا ) عطف على تطغوا إما في كونه نهيا فظاهر وإما في صورة كونه نفيا قوله : كأنه لما وصف السماء بالرفع الخ بيان لوجه ارتباط قوله :
وَوَضَعَ الْمِيزانَ
[ الرحمن : ، ] بما قبله على التفسير الثاني للميزان وهو أن يراد به ما يعرف مقادير الأشياء .