إنما يجتهد بإذنه تعالى الاجتهاد بالوحي فإذا أذن له في الاجتهاد بوحي من اللّه تعالى كان اجتهاده في أمر وما يترتب عليه وحي أيضا ولا يضر الحصر الثابت في الآية .
قوله : ( وفيه نظر لأن ذلك حينئذ يكون بالوحي لا الوحي ) وفيه نظر حاصله إبطال السند نقل عن الكشاف أنه قال إنه غير قادح لأنه بمنزلة أن يقول اللّه تعالى لنبيه عليه السّلام متى ظننت كذا فهو حكمي أي كلما القيته في قلبك فهو مرادي فيكون وحيا حقيقة لاندارجه تحت الإذن المذكور انتهى فيكون قوله كان اجتهاده وحيا ليس في محله نعم ما يستند إليه وحي ويؤيده أن أئمة الأصول جعلوا ما ينال بالاجتهاد من أقسام الوحي والمصنف لم يفرق بين الاجتهاد وبين ما يستند إلى الاجتهاد مع أن الأول يكون بالوحي والثاني نفس الوحي ولو سلم ذلك فإنما يكون بالمفهوم فهو لا يعارض المنطوق الدال على كون الاجتهاد وحيا وأنه عليه السّلام له الاجتهاد كما دل عليه قصة بدر ونحوها وتمام التفصيل في أصول الفقه .
قوله تعالى :
[ سورة النجم ( 53 ) : آية 5 ]
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ( 5 )
قوله : ( علمه ) أي الوحي المراد به القرآن أو علمه أي ما ينطق به من قبيل إسناد ما للبعض إلى الكل إذ التعليم إنما وجد في القرآن دون الوحي الغير المتلو .
قوله : ( ملك شديد قواه وهو جبريل فإنه الواسطة في إبداء الخوارق روي أنه قلع قرى قوم لوط ورفعها إلى السماء ثم قلبها وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين ) ملك أي موصوف شديد ملك وشديد صفة مشبهة مضافة لفاعلها فالإضافة غير حقيقة وهو جبريل عليه السّلام لأنه أمين الوحي قوله فإنه الواسطة الخ بيان لشدة قواه إجمالا قوله روي بيان لشدة قواه تفصيلا قوله قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى وحملها على جناحه قوله وصاح صيحة الخ وفيه تردد قال في سورة هود قيل صاح صيحة جبريل فهلكوا وأشار إلى اختلاف فيه .
قوله تعالى :
[ سورة النجم ( 53 ) : آية 6 ]
ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى ( 6 )
قوله : ( حصافة في عقله ورأيه ) خصاصة بفتح الخاء والصاد المهملتين مصدر بمعنى قوله : ملك شديد قواه قال الراغب قال تعالى :
عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ
[ التكوير : 20 ] يعني به جبريل عليه السّلام ووصفه بالقوة عند ذي العرش فأفرد اللفظ ونكره تنبيها على أنه إذا اعتبر بالملأ الأعلى فقوته إلى حد ما وقوله :
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى
[ النجم : 5 ] فإنه وصف القوة بالشدة وأتى بلفظ الجمع وعرفها تعريف الجنس تنبيها على أنه إذا اعتبر بهذا العالم وبالذين يعلمهم ويفيدهم هو كثير القوى عظيم القدرة .
قوله : حصافة في عقله الحصافة بالحاء المهملة القوة والاستحكام والحصف الرجل المحكم العقل وقد حصف بالضم حصافة وإحصاف الأمر إحكامه قال الراغب المرور المضي والاختيار بالشيء قال تعالى :
فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ
[ يونس : 12 ] مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه وأمررت