قوله : ( والشاعر يكون ذا كلام موزون متسق مخيل ولا يتأتى ذلك من المجنون ) مخيل إشارة إلى الشعر المنطقي كذا قيل وهو بعيد لأنه غير معروف عند العرب بل هو كما قاله كلام موزون الخ أكثره من قبيل التخيلات ولذا قيل افصح الشعراء أكذبهم .
قوله : ( وأمر الأحلام به مجاز عن أدائها إليه ) بعلاقة السببية لأن أحلامهم مؤدية إلى ذلك كالأمر فهو استعارة شبه العقول بسلطان مطاع مضمرا في النفس وأثبت له الأمر على طريق التخييل والعلاقة ووجه الشبه الإغراء والتحريض ولك أن تقول استعير الأمر لبعث العقول إلى هذا القول الباطل تسفيها لرأيهم وتحقيرا لشأنهم فهو استعارة مصرحة لا مكنية وهو الظاهر من قوله لأدائها أي لتأديتها إليه والمكنية وإن صحت في نفسها لكنها ليست بملائمة لكلام المصنف ( مجاوزون الحد في العناد وقرىء بل هم ) .
قوله تعالى :
[ سورة الطور ( 52 ) : آية 33 ]
أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ ( 33 )
قوله : ( اختلقه من تلقاء نفسه ) بالقاف أي افتراء وألقاه من تلقاء نفسه كذبا ثم قال هذا من عند اللّه وضمير تقوله للقرآن المفهوم من السوق وإن لم يصرح بذكره .
قوله : ( فيرمون بهذه المطاعن لكفرهم وعنادهم ) أشار به إلى أنهم عالمون بأنه من عند اللّه لا سيما فصحاؤهم لعجزهم عن إتيان مثله ولذلك قيل فليأتوا الآية أمروا للتعجيز .
قوله تعالى :
[ سورة الطور ( 52 ) : آية 34 ]
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ ( 34 )
قوله : ( بحديث مثل هذا القرآن ) أي بأقصر سورة كما في بعض المواضع لا مطلقا وتفصيله في البقرة ويونس وهود .
قوله : ( في زعمهم ) بيان وجه ايراد كلمة الشك مع أن عدم الصدق مقطوع به ووجهه أنه على زعم المخاطب فإن عدم صدقهم قبل التأمل التام ليس بمحقق عندهم .
قوله : ( إذ فيهم كثير ممن تحدوا عدوا ) علة للأمر باتيان مثله كثير ممن تحدوا مبني قوله : مجاز عن أدائها إليه فإن عقولهم لما أدت بتصرفها في أمره صلّى اللّه تعالى عليه وسلم إلى القول بذلك التناقض وكانت سببا له جعلت كأنها أمرتهم بذلك فإسناد الأمر إلى الأحلام من باب الإسناد إلى السبب ونحوه
أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا
[ هود : 87 ] وجعله الطيبي من باب الاستعارة بالكناية أخذا لمذهب السكاكي في المجاز العقلي فإنه جعل نطقت الحال من الاستعارة المكنية حيث شبه الحال بالإنسان الناطق فأثبت له ما هو لازم المشبه به وهو النطق على سبيل التخييل والجمهور على أنه مجاز عقلي ولكل وجهة هو موليها قال صاحب الكشاف والمعنى أتأمرهم أحلامهم بهذا التناقض في القول وهو قولهم كاهن وشاعر مع قولهم مجنون وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهي تم كلامه روي عن الجاحظ أنه قال لا يكمل عقل الإنسان إلا بالمسافرة والمخالطة وزيارة البلاد المختلفة ومصاحبة ذي الأخلاق المتبانية وقريش في مكانهم لا يفعلون شيئا من هذا وهم أعقل من الكل وما كان ذلك إلا أن جميع العالم يأتونهم ويخالطونهم فيحصل غرضهم بدون مشقة .