قوله : ( كما يقولون ) ولذا قال ولا تكترث بقولهم وإنما قال لا تبال فإنه قول باطل متناقض لأن الكاهن يحتاج في كهانته إلى فطنة ودقة نظر والمجنون مغطى على عقله كما في الكشاف .
قوله تعالى :
[ سورة الطور ( 52 ) : آية 30 ]
أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ( 30 )
قوله : ( ما يقلق النفوس من حوادث الدهر ) نبه به على أن المنوي بمعنى الدهر والريب ما يقلق النفس من حوادثه وهو الأصل مصدر سمي به ما يقلق مبالغة ومن هذا القبيل تسمية الشك ريبا لأنه يقلق النفس ويزيل الطمأنينة ويحتمل أن يكون الريب بمعنى الرايب فعلى هذا المنون مذكر يقال ريبه لأنه فعول من المن بمعنى القطع ومنه حبل منين أي مقطوع .
قوله : ( وقيل المنون الموت فعول من منه إذا قطعه ) فحينئذ يكون المنون مؤنثا مرضه لأن حوادث الدهر يعم الموت وغيره فالتخصيص خلاف الظاهر والحاصل أن المنون مشترك بين المعنيين فالترديد بالنظر إلى الإرادة قوله من منه إذا قطعه أي على المعنيين وجه المناسبة في الأول هو أن الدهر سبب قطع الأعمار وغيرها من إشابة الشبان والولدان وفي الثاني هو أن الموت هادم اللذات وقاطع الأماني والشهوات فظهر المناسبة بين المنقول إليه والمنقول عنه .
اللّه عليك بالنبوة والحكمة وقيل بعصمة ربك وقيل هو كما يقال وما أنت بمجنون والحمد للّه وقيل معناه ما أنت بمجنونه والنعمة لربك كقولهم سبحانك اللهم وبحمدك أي والحمد للّه .
قوله : ريب المنون ما تعلى النفوس من حوادث الدهر قال الواحدي ننتظر به حدثان الموت وحوادث الدهر المنون يكون بمعنى الدهر وبمعنى الموت قال الراغب رابني كذا وأرابني فالريب أن يتوهم بالشيء أمرا ما فينكشف عما يتوهمه ولهذا قال تعالى :
لا رَيْبَ فِيهِ
[ البقرة : 23 ] والإرابة أن يتوهم فيه أمر أما فلا ينكشف عما يتوهم قال تعالى :
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
[ البقرة : 23 ] وريب المنون هو صروفه وإنما قال ريب لما يتوهم فيه من المنكر وقوله نمتربص به ريب المنون سماه ريبا لا من حيث أنه يشكل في كونه بل من حيث يشكل في وقت حصوله فالإنسان أبدا في ريب المنون من جهة وقته لا من جهة كونه الخ ولهذا قال الشاعر :
الناس قد علموا أن لا بقاء لهم * لو أنهم عملوا مقدار ما علموا
والريبة اسم من الريب قال تعالى :
لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ
[ التوبة : 110 ] أي يدل على دغل وقلة يقين منهم وقيل المنون الموت فعول من منه إذا قطعه فسمي الموت منونا لأنه قطوع قال الشاعر :
أمن المنون وريبة تتوجع * والدهر ليس بمعتب من يجزع
بمعتب على لفظ الفاعل أي ليس بمرض في الأساس استعتبه استرضاه وفي معناه :
عن الدهر فاصفح أنه غير معتب * وفي غير من وارت به الأرض قاطع