قوله : ( لنا في ظاهر قوله :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
[ الأعراف : 179 ] في قوله لنا في من المنافاة وجه المنافاة أن المنفهم من هذا القول إن الغرض والغاية من خلق كثير من الجن والإنس دخولهم جهنم وتلك الآية تفيد على هذا التقدير أن الغاية للخلق العبادة فيتنافيان وعلى ما حققه المصنف اندفع المنافاة إذ العبادة كما عرفته ليس بغاية للخلق وإن سلم كون دخولهم النار غاية للخلق وإنما قال ظاهر قوله الخ لأنه يحتمل أن يكون لام لجهنم لام العاقبة فلا ينافي كونها غاية للخلق ولو جعل لام
لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] للعاقبة والإسناد من قبيل إسناد ما للبعض إلى الجميع لاندفع المحذور أيضا .
قوله : ( وقيل معناه إلا لنأمرهم بالعبادة ) هذا منقول عن علي وابن عباس رضي اللّه تعالى عنهم فالمعنى إلا لأمرهم بالعبادة وهو متحقق فيكون كقوله تعالى :
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ
[ البينة : 5 ] الآية فيكون مجازا بذكر المسبب وإرادة السبب إذ الأمر سبب للعبادة ولهذا التمحل مرضه .
قوله : ( أو ليكونوا عبادا لي ) قيل عليه أن عبد بمعنى صار عبدا ليس من اللغة في شيء إلا أن يقال إنه من عبد بمعنى خدم وخضع والخدمة والخضوع من لوازم العبودية فهو مجاز مرسل وفيه نظر كذا قيل والظاهر أن الاشكال يرد على هذا المعنى أيضا فلا يظهر وجه عدوله عن ظاهره إلى هذا المعنى وكذا يرد وهذا الاشكال على قول مجاهد إن معنى ليعبدوني ليعرفوني وإن اختاره الإمام فالأولى الإبقاء على ظاهره وجعل الإسناد إلى الجميع مجازا بإسناد ما للبعض إلى الكل لكون من لم يعبد مجتمعا مع من عبد وهذا أولى مما قيل إنه أراد المؤمنين من جنسي الجن والإنس انتهى ونظيره قوله تعالى :
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
[ هود : 119 ] أي من جنسهما دون جميع أفراد الجن والإنس فكذا هنا وتقديم الجن لتقدم وجوده وهذه الآية مقررة لما قبله من الأمر بالتذكير فإن خلقهم لأجل العبادة مما يوجب التذكير .
قوله تعالى :
[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 57 ]
ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ( 57 )
قوله : ( أي ما أريد أن أصرفكم في تحصيل رزقي ) هذا حاصل المعنى لكن عبر بالخطاب إشارة إلى أن المقام مقام الخطاب لأن التوبيخ مقصود وهو أحرى بالخطاب والسماع لكن عدل عنه إلى الغيبة تبعيدا عن لذة المخاطبة والنكتة مبنية على الإرادة فلا إشكال بأن الخطاب أنسب بالتوبيخ والتقريع كما في بعض المواضع .
قوله : ( فاشتغلوا بما أنتم كالمخلوقين له ) وهو العبادة قال كالمخلوقين لما مر من أنهم لم يخلقوا لها وإلا لوجدت من جميعهم مع أن بعضهم تركوا العبادة لكنهم خلقوا على صورة متوجهة إلى العبادة فهم كالمخلوقين له والمشبه به لا يلزم أن يكون محققا بل قد يكون مفروضا كما فيما نحن فيه .