تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
قوله : ( إضراب عن أن التواصي جامعهم لتباعد أيامهم إلى أن الجامع لهم على هذا القول مشاركتهم في الطغيان الحامل عليه ) إضراب ظاهره إضراب إبطالي وقد نقل عن أبي حيان لا إضراب إبطالي في كلام اللّه تعالى إلا بالحكاية عن الغير فمراده أنه ترق من أن التواصي جامعهم إلى أن الجامع هو الطغيان بمقتضى الجبلة الخبيثة مع قطع النظر عن تواصيهم إذ التباعد المذكور لا ينافي وقوعه ولو من طرف واحد محققا والطرف الآخر مفروضا أو التفاعل بمعنى الثلاثي . قوله تعالى :

[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 54 ]

فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ ( 54 ) قوله : ( فأعرض عن مجادلتهم ) قدر المضاف إذ الغرض الأمر بالإعراض عن مجادلتهم بمعونة المقام ولو اعتبر الإعراض عن ذواتهم لكان أبلغ . قوله : ( بعد ما كررت عليهم الدعوة فأبوا إلا الإصرار والعناد ) فأبوا أي عن شيء إلا العند مستثنى مفرغ إذ أبوا في معنى النفي أي لم يصنعوا إلا العناد ( على الإعراض بعد ما بذلت جهدك في البلاغ ) . قوله تعالى :

[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 55 ]

وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ( 55 ) قوله : ( ولا تدع التذكير والموعظة ) والأمر يستلزم النهي عن ضده وحاصله الأمر بالدوام لئلا يلزم تحصيل الحاصل . قوله : ( من قدر اللّه إيمانه ) فالمؤمن مجاز أولى أي المشارف للإيمان . قوله : ( أو من آمن فإنه يزداد بها بصيرة ) فالمؤمن على حقيقته ولا يكون تحصيل الحاصل إذ المراد زيادة النفع لا أصله فالمجاز حينئذ في تنفع آخره لأن الأول فيه زيادة إفادة مع مناسبته لما قبله فإن المراد بالمؤمن حينئذ من هو بعض من المعاندين أشار إليه بقوله من قدر اللّه إيمانه أي من المذكورين . قوله تعالى :

[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 56 ]

وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) قوله : ( لما خلقتهم على صورة متوجهة إلى العبادة مغلبة لها ) لما لم يكن أفعال اللّه تعالى معللة بالأغراض وقوله تعالى :
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] يدل بظاهره أن فعله معلل بالأغراض حاول بيان وجهه فقال لما خلقتهم الخ قوله على صورة الخ حيث جعلهم عقلاء يدركون بعقولهم ما ينبغي إدراكه وحواس سليمة يحسون بها الأمور الجزئية وانتصاب القامة وغير ذلك من أسباب العبادة ولذا قال متوجهة أي مستعدة لها قوله مغلبة لها خلقتهم كأنه يشير إلى أنه وإن ركب فيهم الشهوة والغضب وهما مانعان قوله : من قدر اللّه إيمانه ومن آمن فإنها تزداد بصيرة فسر المؤمنين على وجهين الوجه الأول حملا على المجاز والثانيّ على الحقيقة .