لكن المتعارف في مادة علم ما ذكرناه أولا قوله تجهيل لهم لأنهم كيف يعلمونه وهو العالم بكل شيء وأنه واضع الدين وهم وإن لم يقصدوا به التعليم لأنه لا يقدم عليه المجانين فضلا عن العقلاء لكن زل طورهم ومعاملتهم منزلة التعليم قوله واللّه يعلم الخ حال من مفعول تعلمون مؤكدة للتشنيع وقوله :
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ الحجرات : 16 ] جملة تذييلية مقررة لما قبله تأكيدا بعد تأكيد وقد روعي الترقي في التوبيخ حيث أخبر أولا بأنه يعلم ما في السماوات وما في الأرض ثم ترقى فقال واللّه بكل شيء سواء كان معدوما ممتنعا أو ممكنا أو موجودا واجبا أو ممكنا موجودا الآن أو فيما سيأتي عليم مبالغ في العلم سواء كان تعلقه قديما أو حادثا .
قوله تعالى :
[ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 17 ]
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 17 )
قوله : ( يمنون عليك ) صيغة المضارع إما حكاية الحال الماضية أو للاستمرار .
قوله : ( يعدون إسلامهم عليك منة وهي النعمة التي لا يستثيب موليها ممن زلها إليه من المن بمعنى القطع لأن المقصود بها قطع حاجته ) يعدون حاصل المعنى قوله وهي أي المنة النعمة التي لا يستثيب أي لا يطلب الثواب موليها أي معطيها ممن يزلها أي ممن يوصل إليه متعلق بيستثيب وفي القاموس أزل إليه نعمة أهديها إليه من المن أي وأصله من المن بمعنى القطع وجه المناسبة ما ذكره من قوله لأن المقصود الخ فالاشتقاق كبير .
قوله : ( وقيل النعمة الثقيلة ) أي النعمة الجسيمة ولا يلاحظ فيها عدم طلب ثواب معطيها كما لا يلاحظ كون النعمة جسيمة في الأول .
قوله : ( من المن ) وهو الرطل الذي يوزن به فالاشتقاق أيضا اشتقاق كبير فالاشتقاق قوله : ممن يزلها إليه في النهاية من أزلت إليه نعمة فليشكرها أي أسديت إليه وأعطيتها وأصلها من الزلل وهو انتقال الجسم من مكان إلى مكان فاستعير لانتقال النعمة من المنعم إلى المنعم عليه يقال زلت منه نعمة وأزلها إليه .
قوله : من المن بمعنى القطع قال الراغب المن النعمة الثقيلة وذلك على وجهين أحدهما بالفعل على الحقيقة فيقال من عليه إذا اثقله بالنعمة قال اللّه تعالى :
وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
[ إبراهيم : 11 ] وذلك في الحقيقة لا يكون إلا للّه سبحانه وتعالى والثاني بالقول وذلك مستقبح فيما بين الناس إلا عند كفران النعمة قيل وإذا كفرت النعمة حسنت المنة وقوله تعالى :
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ
[ الحجرات : 17 ] الآية فالمنة منهم بالقول ومنة اللّه عليهم بالفعل وهو هدايته إياهم كما ذكر وقوله تعالى :
لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
[ فصلت : 8 ] قيل معتد به كما قال بغير حساب وقيل غير مقطوع ولا منقوص ومنه المنون للمنية لأنها تنقص العدد وتقطع المدد وقيل المنة بالقول من هذا لأنها تقطع النعمة وتقتضي قطع الشكر .