قوله : ( روي أن رجلين من الصحابة بعثا سلمان رضي اللّه عنه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يبتغي لهما إداما وكان أسامة على طعامه فقال ما عندي شيء فأخبرهما سلمان فقالا لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها ) سميحة روي أنه بالجيم وهو مصغر اسم بئر من آبار مكة والصحيح كما في القاموس أنه بالحاء المهملة بوزن جهينة بئر بالمدينة لأن سلمان إنما أسلم بالمدينة قوله لغار ماؤها وهو عبارة عن شؤم سلمان رضي اللّه تعالى عنه ولذا عاتبهما النبي عليه السّلام وجعله غيبة .
قوله : ( فلما جاءا إلى رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم قال لهما ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما فقالا ما تناولنا لحما فقال إنكما قد اغتبتما فنزلت ) خضرة اللحم أي اللحم الأخضر وكنى به عن لحم أنتن فإنه يرى لكمال تغيره كأنه أخضر والاستفهام للتعجب كقوله :
ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ
[ النمل : 20 ] الآية وفي هذا زيادة تقبيح حالهما ومعجزة باهرة حيث أخبر فقال قد اغتبتما ولم يذكر سلمان لأن الغيبة حرام مطلقا بأي شخص كان وهذا بناء على أن ما ذكراه موجود في سلمان وإلا فهو بهتان أشنع منها .
قوله تعالى :
[ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 13 ]
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 13 )
قوله : (
يا أَيُّهَا النَّاسُ
[ الحجرات : 13 ] ) ولم يعبر بالذين آمنوا إذ الخلق المذكور عام .
قوله : ( من آدم وحواء ) إن أريد بالناس جميع أفراد الناس على أن اللام للاستغراق فيعم الموجودين والمعدومين من بني آدم فلا يتناول آدم وحواء وهو ظاهر ولا يتناول عيسى عليه السّلام أيضا وكلمة من ابتدائية فيتناول المبدأ القريب والبعيد وإن أريد بهم الناس من هذه الأمة فالأمر واضح لكن الخطاب عام للموجودين والمعدومين إلى يوم القيامة فلا بد من ارتكاب المجاز على كل حال .
قوله : ( أو خلتنا كل واحد منكم من أب وأم ) أي المراد الكل الإفرادي فحينئذ يكون المراد من ذكر الأب وأنثى الأم ومن داخل على المبدأ القريب وفي الأول المراد الكل المجموعي .
قوله : ( فالكل سواء في ذلك فلا وجه للتفاخر بالنسب ) فلا وجه التفريع على الأول ظاهر ولذا قدمه مع أن فيه كثرة المجاز وأراد به بيان ارتباطه بما قبله إذ مدار السخرية واللمز والغيبة التفاخر بالنسب فإذا ضم إليه الحسب يزداد التفاخر وما يترتب عليه إلا من قوله : إلى بئر سميجة بإضافة البئر إلى سميجة وسميجة بالجيم على التصغير ويروى سميحة بالحاء المهملة قيل هو بئر من آبار مكة .
قوله : خضرة اللحم في النهاية في الحديث أن الدنيا حلوة خضرة أي غضة طرية ناعمة .