تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
غاية الكراهة ) شروع في بيان المبالغات فإن الاستفهام التقريري يفيد المبالغة من حيث إنه لا يقع إلا في كلام مسلم عند كل سامع حقيقة أو ادعاء كذا نقل عن الزمخشري والظاهر أن التقرير هنا ادعائي إذ الظاهر أنه للإنكار كما يدل عليه قوله وتعليق المحبة بما هو في غاية الكراهة وهذا كالصريح في كون الاستفهام للإنكار إلا أن يقال إن النفس جبلت على الميل إليها مع علمها بقبحها كما مر نقلا عن المثل السائر فلا تغفل وإفادة أحد التعميم لأن الإضافة للجنس قوله بما هو غاية في الكراهة وهو أكل لحم الأخ الميت . قوله : ( وتمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان وجعل المأكول أخا وميتا ) وظاهره أنه أراد تمثيل المفرد بالمفرد . قوله : ( وتعقيب ذلك بقوله وفكرهتموه تقريرا وتحقيقا لذلك ) وتعقيب ذلك أي التمثيل أي ذكر قوله فكرهتموه عقيب ذلك تقريرا أي لأجل الحمل على الإقرار والتحقيق لعدم محبته أو لمحبته التي لا ينبغي مثلها كذا قيل والأخير لا يلائم قوله فكرهتموه وأما الأل فمدخول الهمزة المحبة لا عدم المحبة إلا أن يقال إن التقرير ليس يجب أن يكون بالحكم الذي عليه الهمزة بل بما يعرفه المخاطب من ذلك الحكم وعليه قوله تعالى : التمثيل المشتمل على هذه المبالغات بل عقبه بقوله فكرهتموه تقريرا وتحقيقا لنفي محبتهم أكل لحم الأخ الميت أي فقد كرهتموه ولا يمكنكم أن تحبوه ولا تنكروا كراهته روى السيد السحري في الأمالي أن أبا علي ذكر في كتاب التذكرة أن المعنى فكما كرهتموه فأكرهوا الغيبة واتقوا اللّه عطف على قوله فاكرهوا لدلالة الكلام عليه كقوله تعالى :
اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ
[ البقرة : 60 ] أي فضرب فانفجرت فقوله فكرهتموه كلام مستأنف وإنما دخلت الفاء لما في الكلام من معنى الجواب فكأنهم لما قالوا في جواب قوله
أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً
لا فقال فكرهتموه أي فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة فإذن المعنى على فكما كرهتموه وإن لم يكن كما مذكورة كما أن قولهم ما تأتيني فتحدثني المعنى ما تأتيني فكيف تحدثني وإن لم يكن كيف مذكورة وإنما هي مقدرة ثم قال السيد هذا التقرير بعيد لأنه قدر المحذوف موصولا وهو ما المصدرية وحذف الموصول وابقاء صلته ضعيف ولو قدر المحذوف مبتدأ كان جيدا لأن حذف المبتدأ كثير أي فهذا كرهتموه الجملة المقدرة مبتدأية لا أمرية كما قدرها أبو علي وإنما قدرها أمرية ليعطف عليها قوله واتقوا اللّه لأنها أمرية أيضا ولا حاجة إليها لأن قوله واتقوا اللّه عطف على الجملة النهيبة وهي
لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
والعطف على المذكورة أولى من المقدرة والإشارة في المبتدأ الذي قدرته وهو هذا موجهة إلى الأجل الذي وصفه اللّه كأنه لما قدر أنهم قالوا لا في جواب قوله :
أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً
[ الحجرات : 12 ] قيل فهذا كرهتموه والغيبة مثله فتأمل وقال ابن الحاجب في الأمالي إنه تعالى لما نهى عن الغيبة شبهها بما هو مكروه في عادتهم وهو أكل لحم المغتاب ميتا فأتى به على صفة الإنكار تنبيها على أنه مما لا يفعلونه ثم كان ذلك التشبيه لذكر تحقق الكراهة فقال بعد ذلك فكرهتموه فكان ذكر تحقق الكراهة وثبوتها مسببا عن هذا التشبيه الذي قصد به تأكيد كراهة ما نهى عنه إذ به يتحقق توبيخهم في وقوعهم في الغيبة لمشبهة بما يأبونه ويكرهونه .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 143 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر