تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 576

مساهمون:

ص٥٧٦
متعلق بالتنبيه ودلالة ومراده أنه استعارة تمثيلية تخييلية لا تحقيقية فإن المشبه به لا يلزم أن يكون محققا بل قد تكون مفروضا متخيلا فإن كان المشبه به محققا تكون الاستعارة لتمثيلية محققة كقوله إني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى وإن كان المشبه به متخيلا مفروضا لا محققا تكون استعارة تمثيلية تخييلية أشار إليه بقوله من غير اعتبار القبضة الخ وتوضيحها أن الهيئة المأخوذة من عظمته تعالى بحيث يستحقر دونها جميع من سواه ونفاذ قدرته في الأمور العظام ايجادا وإعداما بحيث يكون خلق جميع المخلوقات كخلق أمر واحد بالهيئة المنتزعة بشخص وقبضته الأرض جميعا والسماوات مطويات بيمينه فذكر ما هو الموضوع للمشبه به وأريد المشبه لكن المشبه به أمر مفروض متخيل لا تحقيق له إلا في التصور والخيال لتوضيح عظمة الملك المتعال ولذا قال والتخييل بعد قوله التمثيل وهذا نظير ما قيل في قوله تعالى :
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[ البقرة : 255 ] الآية وكذا قوله تعالى :
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
[ البقرة : 7 ] الآية على ما حققه صاحب الكشاف وهذا من بدائع الاستعارة قال المص في تفسير قوله تعالى :
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[ البقرة : 255 ] تصوير لعظمته وتمثيل مجرد كقوله تعالى :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ
[ الزمر : 67 ] الآية وهنا ذكر التخييل بدل ذكر مجرد هناك غايته أنه ذكر بالعطف ومراده ما ذكر بقرينة قوله وتمثيل مجرد هناك كما عرفته فمن حمل التخييل على غير هذا المعنى كأنه لم ينظر إلى كلام المص في الآية الكرسي فلا فائدة في نقله وجرحه . قوله : ( حقيقة ولا مجازا ) حقيقة ذكرها لتمهيد ذكر قوله ولا مجازا وللإشعار بأن انتفاء المجاز كانتفاء الحقيقة وإلا فلا حاجة إلى نفيها أو إشارة إلى رد من قال بها نظرا إلى ظاهره وفي الكشاف ولا ترى بابا في علم البيان أدق ولا أنفع ولا أعون على تأويل المتشابهات من كلام اللّه تعالى في القرآن وسائر الكتب السماوية وكلام الأنبياء فإن أكثره تخييلات قد زلت فيها الأقدام قديما وما أوتي الزالون إلا من قلة عنايتهم بالبحث والتنفير حتى يعلموا أن في عداد العلوم الدقيقة علما لو قدروه حق قدره لما خفي عليهم أن العلوم كلها مفتقرة إليه وعيال عليه « 1 » الخ والمص روح اللّه روحه أشار إلى هذا التفصيل بقوله من غير اعتبار القبضة واليمين بعد قوله على طريقة التمثيل ردا على من اعتبره من المجسمة العظام التي تتحير فيها الأذهان ولا يكتنها الأوهام هينة عليه هونا لا يوصل السامع إلى الوقوف عليه إلا إجراء العبارة في مثل هذه الطريقة من التخييل ولا ترى بابا في علم البيان أدق وألطف من هذا الباب ولا أنفع وأعون على تعاطي تأويل المتشابهات من كلام اللّه في القرآن .
هامش
( 1 ) إذ لا يحل عقدها الموربة ولا يفك قيودها المكربة إلا هو وكم من آية من آيات التنزيل وحديث من أحاديث الرسول قد ضيم وسيم الخسف بالتأويلات الزائغة والوجوه الرثة لأن من تأول ليس له حظ من هذا العلم انتهى ما في الكشاف .