دلالة التقديم على الاختصاص لم يكن كذلك ) وعطف الخسران عليه الخ كأنه أشار إلى أن المراد بالخسران الخسران الحاصل من الاحباط والأولى الاطلاق فيدخل هذا الخسران دخولا أوليا قيل لكن الظاهر ح فتكون من الخاسرين فترك الفاء وذكر اللام معه يقتضي أنه خسران آخر غير حبوط العمل لكنه إذا عطف بالواو دون الفاء إشعارا باستقلال كل منهما في الزجر فالمراد بالخسران على مذهبنا ما لزم من حبط العمل لا الخلود في النار حتى يلزم التقييد بالموت كما هو مذهب الشافعي :
بَلِ اللَّهَ
[ الزمر : 66 ] اضراب من مفهوم الكلام أشار إليه بقوله رد لما أمروه به وهو قولهم استلم بعض آلهتنا الخ قوله ولولا دلالة التقديم أي تقديم المفعول على عامله وهو أعبد لم يكن كذلك أي لم يكن هذا ردا لكن الدلالة ثابتة إذ التقديم يقتضي التخصيص غالبا فالقرينة على ذلك معونة المقام إذ الكلام مسوق لردهم وأنهم لم يأمروا بترك عبادة اللّه تعالى رأسا حتى يكون هذا الكلام ردا له بل أمروه بالاستلام فهذا الكلام سبق لرده فلا جرم أن هذا التقديم للتخصيص والفاء هي قوله : ولولا دلالة التقديم على الاختصاص لم يكن كذلك أي لم يقع اسم الجلال مقدما في الذكر على فاعبد بل يقال فاعبد اللّه فأريد الأمر بتخصيصه تعالى بالعبادة أي قصر العبادة عليه فقدم على الفعل وليس معنى قوله هذا أن لفظة اللّه مفعول فاعبد المذكور قدم عليه للتخصيص لأن ما في حيز الفاء لا يتقدم عليه بل معناه أنه مفعول اعبد المقدر مؤخرا عنه تقديره اللّه اعبد فاعبد حذف اعبد لدلالة المذكور عليه وتفسيره له وهذا ما ذهب إليه الفراء قال إن نصبه بفعل مقدر هذا الظاهر معطوف عليه بالفاء تقديره بل اللّه اعبد فاعبد قال صاحب الكشاف بل اللّه فاعبد رد لما أمروه به من استلام بعض آلهتهم كأنه قال لا تعبد ما أمروك بعبادته إن كنت عاقلا فاعبد اللّه فحذف الشرط وجعل تقديم المفعول عوضا منه وكن من الشاكرين على ما أنعم به عليك من أن جعلك سيد ولد آدم تم كلامه هذا مذهب الزجاج وقال مكي نصب اللّه باعبد وقال الفراء والكسائي هو نصب بإضمار فعل كما ذكر والفاء للمجازاة عند أبي إسحاق وزائدة عند الأخفش وقال صاحب الانتصاف مقتضى كلام سيبويه أن الأصل تنبه فاعبد اللّه فحذف الفعل الأول اختصارا واستنكروا الابتداء بالفاء ومن شأنها التوسط فقدم المفعول وصارت الفاء متوسطة لفظا ودالة على المحذوف وانضاف إليها فائدة الحصر لإشعار التقديم بالاختصاص قال الطيبي رحمه اللّه هب أن الفاء في قوله :
بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ
[ الزمر : 66 ] دال على إضمار الشرط فما الدال على تخصيص إن كنت عاقلا على رأي صاحب الكشاف أو على تنبه كما فهم صاحب الانتصاف من كلام سيبويه قلت دل عليه أيها الجاهلون في قوله تعالى :
قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ
[ الزمر : 64 ] أي السفهاء الخفاف الأحلام لأنه تعالى حين سمع أن رهطا من قريش قالوا على نحو ما ورد في سورة الكافرون يا محمد تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يرد عليهم بقوله :
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ
[ الزمر : 64 ] وحين سمعهم أيضا يقولون استلم بعض آلهتنا رده بقوله :
بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ
[ الزمر : 66 ] يعني لما سفهتهم في ذلك الرد خص ربك بالعبادة إن كنت عاقلا واشكره حيث لم يجعلك من جنس ما هو أضل من الإنعام وجعلك من أفضل الخلق وأشرفهم بل رفع منزلتك عليهم وجعلك سيد ولد آدم فافهم هذه الرموز والتلويحات وترحم على صاحب الكشاف في إبراز تلك المحاسن .