مر غير مرة تقدير الكراهة وهي ضد الرضاء فإن الكراهة ليس ضدا للإرادة لجواز جمعهما في شرب الدواء الكريه إذا اعتقد نفعه وأراد شربه كما في المواقف وشرحه .
قوله : ( وتنكير نفس للتقليل لأن القائل بعض الأنفس ) وهم المقصرون في الأعمال .
قوله : ( أو للتكثير كقول الأعشى :
ورب بقيع لو هتفت بجوه * أتاني كريم ينفض الرأس مغضبا )
أو للتكثير أو لمنع الخلو إذ لا منافاة بينهما ولما كان كونه للتكثير قليلا بالنسبة إلى كونه للتقليل أيده بشاهد من كلام الشاعر قوله ورب بقيع هو اسم موضع بعينه لا المقبرة تشبيها ببقيع الفرقد وهو مقبرة المدينة المنورة كما توهم لو هتفت بمعنى صحت بجوه والجو هنا ناحية الفضاء وينفض بالفاء والضاد المعجمة ويجوز أن يكون بالغين المعجمة ومعناه يحرك والشاهد قوله كريم فإن المراد به التكثير أي قوم كثير كرام « 1 » كذا نقل عن شارح قصيدة الأعشى والمثال للتكثير في المعاني أن له لا بلا أي لا بلا كثيرا .
قوله : ( وقرىء بالياء على الأصل ) وما اختاره قراءة الألف مبدلة من الياء أي يا قوله : أو للتكثير أي أو تنكير نفس للتكثير على الاستعارة لأن أصل التنكير ليس للتكثير حقيقة وكذا رب في قوله رب بلد قطعت ورب بطل قاتلت فإن وضع رب حقيقة للتقليل وقد يستعار للتكثير والمستشهد به في قول الأعشى ورب بقيع البيت هو لفظ كريم يريد بياء كثرة من يجيب إلى نصرته لأنه في مقام مدح نفسه وكثرة ناصريه لأن كريما واحدا أجابه ينفض الرأس أي يحركه غضبا وقبله دعا قومه حولي فجاؤوا لنصره :
وناديت قوما بالمسناة غيبا
والبقيع موضع فيه أروم الشجر من ضروب شتى والهتاف الصوت والمراد هنا النداء والجو الفضاء وكذا المراد من قوله رب بلد قطعت إنه جواب للغيافي ومن قوله رب بطل قاتلت إن دأبه وعادته مقارعة الأبطال فعلى هذا المراد بالنفس جميع الأنفس المؤمنة والكافرة ولفظة أو في قوله تعالى أو تقول لتنويع القول .
قوله : وقرىء بالياء على الأصل أي قرىء يا حسرتي بالياء وكسرت التاء على الأصل لأن أصل الألف الياء أبدلوا الألف من الياء هربا من ثقل الياء إلى خفة الألف نحو يا غلاما وفي الكشاف وقرىء يا حسرتي على الأصل ويا حسرتاي على الجمع بين العوض والمعوض منه قال ابن جني قرأ ابن جعفر يا حسرتاي وفيها إشكال لأن الألف فيه بدل من ياء يا حسرتي هربا من ثقل الياء إلى خفة الألف وكان ينبغي أن لا يؤتى بيان المتكلم بعد الألف لئلا يجتمع العوض والمعوض منه ومثله ما أنشده أبو زيد :
إني إذا ما حدث الما * دعوت اللهم يا اللهما
فجمع بين ياء والميم وإنما الميم عوض من ياء النداء قال الطيبي ويمكن أن يقال إن المفرط لما شاهد نتيجة كمال تفريطه فيما ينجيه من ذلك الهول ونهاية خيبته من الفوز والفلاح تضجر
هامش
( 1 ) وهو يريد أفواجا من الكريم ينصرونه لا كريما واحدا كما في الكشاف .