عند الموت ظاهرا لا باطنا ) أي يقبضها عن الأبدان نبه به على أن إسناد الموت إلى الأنفس أي الأرواح مجاز عقلي فإنه حال بدنها كما أشار إليه بقوله أي يقبضها عن الأبدان فإنه نبه على أن الميت بدن الإنسان وكذا الكلام في النوم فالموت مفارقة الأرواح عن الأبدان فلا فناء للأرواح كما دل عليه النصوص وإن ذهب بعضهم إلى فنائها وإن أريد بالنفس جملة الإنسان كما في الكشاف فالتجوز بإسناد ما للجزء إلى الكل وفي الكشاف الأنفس الجمل كما هي وتوفيها إماتتها وهي أن تسلب ما هي به حية حساسة دراكة من صحة أجزائها وسلامتها لأنها عند سلب الصحة كان ذاتها قد سلبت انتهى وهو أوضح مما ذكره المص فإن ما ذكره بناء على ما اختاره الحكماء ومن تبعه منا من أن النفس تتعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف والموت انقطاع ذلك التعلق باطنا وظاهرا وعند أكثر المتكلمين النفس تحل بالبدن حلول ماء الورد في الورد سواء كان ذلك النفس جوهرا سارية في البدن كسريان ماء الورد في الورد وهو الصحيح بدليل أن الروح إذا خرجت من الجسد ودخلت وأمثال ذلك من العروج إلى عليين ومن النزول إلى سجين أو جسما لطيفا مشابك الجسد مشابكة الماء بالعود الأخضر أجرى اللّه تعالى العادة بأن يخلق الحياة ما استمرت هي في روحاني إذا تعلق بالبدن حصل ضوءه في جميع الأعضاء وهي الحياة ثم إنه في وقت النوم ينقطع تعلقه عن ظاهر البدن دون باطنه وفي وقت الموت ينقطع التعلق عن ظاهره وباطنه فالموت والنوم من جنس واحد بهذا الاعتبار لكن الموت انقطاع تام كامل والنوم انقطاع ناقص فظهر أن القادر الحكيم دبر تعلق النفس بالبدن على ثلاثة أوجه أحدها أنه دبر أمرها بحيث يقع ضوء الروح على جميع أجزاء البدن ظاهره وباطنه وذلك هو اليقظة وثانيها بحيث ينقطع الضوء عن الظاهر والباطن وهو الموت وثالثها بحيث ينقطع عن الظاهر دون الباطن وهو النوم فثبت أن الموت والنوم يشتركان في كون كل واحد منهما توفى النفس ثم يمتاز أحدهما بخواص معينة ومثل هذا التدبير العجيب لا يمكن صدوره إلا عن القادر الحكيم
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
[ الزمر : 42 ] وفي الأحاديث النبوية ما روي في صحيح البخاري عن أبي قتادة قال سرنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال بعض القوم لو عرست بنا يا رسول اللّه قال أخاف أن تناموا عن الصلاة قال بلال أنا أوقظكم فاضطجعوا فغلبت عينا بلال فاستيقظ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقد طلع حاجب الشمس فقال يا بلال أين ما قلت قال يا رسول اللّه ما ألقيت علي نومة مثلها قط فقال إن اللّه قبض أرواحكم حين شاء وردها حين شاء الحديث وعن البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في دعاء النوم باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسك نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين وروي عن لقمان أنه قال لابنه يا بني كما أنك تنام ثم تستيقظ كذلك تموت ثم تحيي قاس الموت بالنوم فكانا موتتين قال الراغب توفية الشيء بذله وافيا واستيفاؤه تناوله وافيا قال اللّه عز وجل :
وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ
وقد عبر عن الموت والنوم بالتوفي قال تعالى :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها
[ الزمر : 42 ] وقوله :
يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ
[ آل عمران : 55 ] فقد قيل توفي رفعة واختصاص لا توفي موت والوافي للذي بلغ التمام يقال درهم واف وكيل واف ووفى بعهده وأوفى إذا تمم العهد .