كأنه قيل أنا مخلص في عبادة اللّه تعالى فاعبدوا ما شئتم من أن تعبدوه غيره تعالى ستعلمون غدا ما أصابكم من الشقاء المؤبد والعذاب المخلد ولذا قال تهديدا الخ نظيره قوله تعالى :
اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ
[ فصلت : 40 ] إذ الشارع لا يأمر بالفحشاء فلا جرم أن الأمر للتهديد مجازا .
قوله : ( الكاملين في الخسران بالضلال وبالإضلال حين يدخلون النار بدل الجنة لأنهم جمعوا وجوه الخسران ) الكاملين في الخسران قيده بالكمال لما سيجيء من أنهم جمعوا وجوه الخسران أو المطلق منصرف إلى الكمال واللام في مثله للجنس للتنبيه على أن ما عدا من الخسران ليس بخسران بالنسبة إليه فالحصر المستفاد من كون المبتدأ محلى باللام بالكمال وملاحظته إذ الحصر لا يصح بالنسبة إلى نفس الخسران وتعريف العهد لا يفيد الحصر كما صرح في علم المعاني وأما الحمل فصحيح بدون تأويل لتقييده بيوم القيامة والتقييد بيوم القيامة مع أن الضلال والإضلال في الدنيا لأن ظهور الخسران وهو إضاعة رأس المال ومآله الهلاك الدائم في يوم القيامة وكمال ظهوره حين دخول النار لأنه يعلم الخسران بحق اليقين بعد علمه بعين اليقين وعن هذا قال حين يدخلون النار قوله بدل الجنة إشارة إلى أن الكافر له منزل في الجنة إذا آمن إيمانا صحيحا فأضاعوه بالإصرار على الكفر قوله لأنهم جمعوا الخ تعليل لكونهم كاملين في الخسران كما أشرنا إليه .
قوله : ( قيل وخسروا أهليهم لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهابا لا رجوع بعده ) وقيل وخسروا أهليهم لا بالإضلال فقط كما سبق بل بالاضلال إن كانوا من أهل النار وإن كانوا من أهل الجنة فلا يكون الخسران بالاضلال لعدم الاضلال بل خسروهم بأن ذهبوا عنهم الخ مرضه لأن ذهابهم عنهم بهذا الوجه كونه خسرانا لأهليهم غير ظاهر بل هذا خسران أنفسهم أيضا لأن أهليهم يلقون بهذا الذهاب النعيم المؤبد والثواب المخلد .
قوله : ( مبالغة في خسرانهم لما فيه من الاستئناف والتصدير بإلا وتوسيط الفصل وتعريف الخسران ووصفه بالمبين ) الاستئناف أي المعاني والتصدير بإلا التنبيهية المشعرة بأن مدخوله مثل البديهي المحتاج إلى التنبيه وتوسيط الفصل اختار كونه ضمير الفصل ليفيد قوله : الكاملين في الخسران معنى الكمال مستفاد من التعريف الجنسي نحو ذلك الكتاب وحاتم الجواد وفي الكشاف الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه وأسبابه كما قال في هو الرجل أي الكامل في الرجولية الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال يعني إنما يطلق اسم الجنس على بعض أفراده إذا اجتمعت فيه الخصال المعتبرة في ذلك الجنس فكأنه ذلك الجنس كله فقول القاضي رحمه اللّه لأنهم جمعوا وجوه الخسران إشارة إلى ذلك المعنى .
قوله : وقيل وخسروا أهليهم إلى آخره وعلى هذا يكون المراد بالأهل الأهل في الجنة من الحور والغلمان وغيرهما وفيه تتميم المعنى كأنه قيل خسروا رأس المال والربح وقوله ألا ذلك هو الخسران المبين تذييل ولهذا قال هو مبالغة في خسرانهم لما فيه من الاستئناف الخ .