تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 476

مساهمون:

ص٤٧٦
الاكتفاء بالضمير يمكن في البعض يكور « 1 » الليل على النهار والنهار عليه اعتناء بشأن كل واحد منهما مع أن التكوير في الثاني مغاير له في الأول إذ المراد غشي كل واحد منهما مكان الآخر ففي الأول يغشى الظلام مكان الضوء وفي الثاني بالعكس . قوله : ( كأنه يلف عليه لف اللباس باللابس ) أشار إلى أن التكوير اللف من كار العمامة على رأسه وكورها وإلى أن الكلام محمول على الاستعارة شبه غشي كل منهما مكان الآخر باللف في الستر والإخفاء فذكر لفظ المشبه به وأريد المشبه وأسند الغشي إليهما مجازا بعلاقة الحالية والمحلية وفي سورة الأعراف
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ
[ الأعراف : 54 ] على الحقيقة في الكلمة مع الإسناد المجازي وهنا على الاستعارة والإسناد المجازي معا فهذا أبلغ من ذاك . قوله : ( أو يغيبه به كما يغيب الملفوف باللفافة ) هذا وجه آخر في تخريج الاستعارة أي شبه تغييب كل منهما بالآخر بالتكوير واللف في مطلق التغييب وحاصله إذا طري الليل على النهار غيبه كما غيب الأمر اللاف بالملفوف لأن الليل يعقب النهار سريعا كما في قوله تعالى :
يَطْلُبُهُ حَثِيثاً
[ الأعراف : 54 ] فكأنه غيبه وفيه نوع تسامح إذ المغيب لا بد وأن يكون موجودا مثل الملفوف الموجود يكون غائبا عن الحس باللفافة وهنا ليس كذلك والغيب وإن اطلق على المعدوم لكن لا يغيب كل منهما على الآخر حقيقة بخلاف الأول فإن كل واحد منهما يغشى مكان الآخر ولذا قدم الأول وكذا الكلام في الوجه الثالث . قوله : ( أو يجعله كارا عليه كرورا متتابعا تتابع أكوار العمامة ) الظاهر أن التكوير على هذا المعنى من الكرور والمرور لكن اللفظ لا يساعده فمراده أن التكوير هو اللف أيضا لكن اللف لما تضمن تتابع أكوار العمامة ونحوها اعتبر في المشبه التتابع فالمعنى تعاقب أحدهما الآخر كرارا مرارا إلى يوم القيامة فقوله أو يجعله كارا الخ بيان حاصل المعنى ففي هذا المعنى التشبيه في التتابع والتعاقب مرارا استعارة تبعية أيضا والحاصل أن في التكوير بمعنى اللف ثلاث أوصاف الستر والتغيير والتتابع مرارا ففي المشبه اعتبر كل واحد من تلك الأوصاف ولو اعتبر المجموع من حيث المجموع بالوجه الأحسن لكان أبلغ والفرق بين المعاني الثلاثة ظاهر وإن كان بين الأولين تلازم ولعل لهذا قال المحشي والفرق بين الأولين قليل جدا مع أن الفرق واضح قطعا وفي الأولين استعارة تبعية استعارة المحسوس أراد شكورا بحالة تتابع أكوار العمامة بعضها عقيب بعض وما يتصل بها من الحسن فإنها كالتيجان للعرب .
هامش
( 1 ) اختيار المضارع في يكور للاستمرار ولكون الضوء والظلمة أمران مهيبان يدلان على كمال قدرة قاهرهما بخلاف تسخير الشمس والقمر ولذا عبر بالماضي إما لتغليب الموجود على المعدوم أو لتنزيل منتظر الوقوع منزلة الواقع .