ومجرورين على اضمار حرف القسم الأول ) كقول أبي النجم .
قد أصبحت أم الخيار تدعي * علي ذنبا كله لم أصنع
كله مبتدأ خبر لم أصنع والعائد محذوف أي لم أصنعه ولم يجوز كونه منصوبا بالفعل المؤخر ليفيد الكلام السلب الكلي لا رفع الايجاب الكلي فلو نصب به لعكس الأمر فيختل الغرض وتمام بيانه في فن المعاني وفيما نحن فيه لا محذور في النصب لكن في قراءة الرفع تأكيد كما عرفت وتقوية الحكم ومع ذلك اختار المص النصب ليوافق الأول في النصب وأيضا فيه الحصر بتقديم المفعول أي ما أقول إلا الحق وفيه مبالغة في تحقق الوعيد .
قوله : ( وحكاية لفظ المقسم به في الثاني للتوكيد وهو شائع فيه إذا شارك الأول ) وحكاية لفظ المقسم به الخ فيكون القسم واحدا لفظا وقسمين معنى لكن فيه نوع ضعف إذ في الأول حذف حرف القسم وهو الباء وأبقى عمله وهو شاذ فالفصيح كونه منصوبا بأقسم المحذوف كما مر والحكاية غير التأكيد لأن في التأكيد يكون الثاني قسما مؤكدا للأول وفي السلب وإن كان منصوبا يفيد سلب العموم ومراد الشاعر عموم السلب لأن قصده أن أم الخيار تدعي علي ذنبا لم أصنع أنا شيئا منه فإذا نصب يفيد خلاف مراده وهو أنه لم يصنع كله بل بعضه وبعد هذا البيت :
من أن رأت رأسي كرأس الأصلع * ميز عنه قنزعا عن قنزع
جذب الليالي أبطئي أو أسرعي * أفناه قيل اللّه للشمس اطلعي
حتى إذا واراك أفق فارجعي
قوله : وهو سائغ فيه إذا شارك الأول أي إذا شارك الثاني الأول في المعنى وأما إذا خالفه كما إذا أريد بالأول الاسم وبالثاني المصدر أو الصفة فح لا يجوز الحكاية عن الأول لتغايرهما معنى وفي الكشاف ومجرورين على أن الأول مقسم به قد أضمر حرف قسمه كقولك اللّه لأفعلن والحق أقول أي ولا أقول إلا الحق على حكاية لفظ المقسم به ومعناه التوكيد والتشديد وهذا الوجه جائز في المنصوب والمرفوع أيضا وهو وجه دقيق حسن أي جعل الثاني حكاية عن الأول ومعربا بإعرابه وجه دقيق حسن فالمعنى على المجرور واللّه لأملأن جهنم والحق أقول أي هي سنتي وعادتي فعلى هذا لا يكون اعتراضا بل يكون لمجرد التوكيد كالتكرير كذا قالوا في توجيه معنى الدقة والحسن في هذا الوجه قال الطيبي فإن قلت فسر على تقدير النصب قوله الحق أقول على الحصر بقوله ولا أقول إلا الحق وهو جائز لأنه مفعول قدم على عامله وما وجهه على الجر قلت إنه على القسم والقسم في المعنى يفيد معنى الحصر والجزم في القول وأقول فيه نظر لأن المفهوم مما ذكره الحصر الكائن في ما أنا إلا أقول والحصر في عبارة الكشاف ليس هذا المعنى بل معنى الحصر فيها ما أقول إلا القول الحق وأين هذا من ذاك قال محيي السنة واختلفوا في وجهها قيل نصب الأول على الإغراء كأنه قال الزم الحق والثاني بإيقاع القول عليه أي أقول الحق وقيل الأول قسم أي فبالحق وهو اللّه عز وجل فانتصب بنزع حرف الإضافة وانتصاب الثاني بإيقاع القول عليه وقيل الثاني تكرار القسم اقسم اللّه بنفسه
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ
[ ص : 85 ] قوله وتخريجه على ما ذكرنا فرفع الأول للابتداء وجره للقسم ونصب الثاني على أنه مفعول مقدم والجملة معترضة .