أصحابنا أن يرجحوه أي كون المراد عملكم على أن يكون المراد الحدث على الأولين أي الموصولية أو المصدرية بتأويلها بالمفعول لما فيهما من حذف وهو العائد في الموصولية والمجاز في التأويل باسم المفعول لكن كون المقصود المعنى القائم بالصنم يرجح الأولين لدلالته صريحا وما ذكره من الأولوية يظهر ضعفه مما فصلناه آنفا على أن هذا أيضا مجاز لكون المراد الحاصل بالمصدر وهو مجاز وأما القول بأن هذا يحتاج إلى تقدير عملكم في المنحوت فيكثر الحذف فمدفوع لأنه باق على عمومه والاستدلال المذكور مبني على العموم والعمل في المنحوت يدخل دخولا أوليا فالتخصيص خلاف الظاهر .
قوله تعالى :
[ سورة الصافات ( 37 ) : آية 97 ]
قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ( 97 )
قوله :
( قالُوا ابْنُوا لَهُ )
استئناف بياني لما لم يقدروا المحاجة بالدليل أرادوا التعذيب بالنار كما هو شأن المبهوت العليل ومعنى له أي لتعذيبه فاللام للاستهزاء وللتخصيص .
قوله : ( في النار الشديدة من الجحمة وهي شدة التأجح ) بتقديم الجيم الايقاد وفيه إشارة إلى أن الفاء في « 1 »
فَأَلْقُوهُ
[ الصافات : 97 ] فصيحة والتقدير قالوا ابنوا له بنيانا « 2 » فأوقدوا نارا فيه فألقوه الخ .
قوله : ( واللام بدل الإضافة أي جحيم ذلك البنيان ) واللام بدل الخ ومن منعه وهو بعض البصريين حمل اللام على العهد .
الأخير ليس على حقيقته أيضا إذ المراد به المعمول قلنا إن إرادة المعمول بلفظ العمل فيه ليس على طريق المجاز بل على طريق الكناية والكناية لا تنافي إرادة المعنى الحقيقي وبه خرج الجواب عن طعن صاحب الكشاف لأهل السنة في استدلالهم بهذه الآية على خلق الأعمال بأن المعنى المصدري لا يطابق ما تنحتون فوجه الجواب أن أهل السنة وإن أرادوا بما يعملون المعنى المصدري الذي هو الحدث وهو عملكم لكن ليس مرادهم أن العمل من حيث هو مقصود بل مرادهم به المعمول وذكر العمل للدلالة بمخلوقيته على مخلوقية المعمول بطريق برهاني ويثبت في ضمنه قاعدة خلق الأعمال قال صاحب الانتصاف يتعين حمل ما على المصدرية إذ لم يعبدوا الأصنام من حيث هي حجارة عارية عن الصورة ولولاها لما خصوا حجرا دون غيره بل عبدوها باعتبار أشكالها وهي إثر عملهم فعلى الحقيقة إنما عبدوا عملهم فوضحت الحجة في أنها مخلوقة للّه سبحانه وتعالى فكيف يعبد مخلوق مخلوقا .
قوله : من الجمحة وهي شدة التأجج أي التلهب قال الجوهري الجحيم اسم من أسماء النار وكل نار عظيمة في مهواة فهي جحيم من قوله تعالى
قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ
[ الصافات : 97 ] والجاحم المكان الشديد الحر وقال الراغب الجحمة شدة تأجج النار ومنه الجحيم وجحم وجهه من شدة الغضب استعارة من جمحة النار وذلك من ثوران حرارة القلب .
هامش
( 1 ) أي فاطرحوه .
( 2 ) مصدر بمعنى المفعول وليس بجمع كما صرح به المص في سورة التوبة فهو مجاز أولى .