تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
قوله : ( وإنما بت القول لسبق وعده أو لفرط توكله أو البناء على عادته معه ) وإنما بت القول أي جزمه حيث لم يذكر ما ينافي الجزم ظاهرا كما ذكر سيدنا موسى عليه السّلام وقيل السين تؤكد الوقوع في المستقبل لأنها في مقابلة لن المؤكد للنفي كما ذكره سيبويه وما ذكرناه أوفق لتقرير المصنف قوله لسبق وعده أي وعد اللّه تعالى إياه بالهداية والظاهر أن الوعد لم يسبق لموسى عليه السّلام أو لفرط توكله وإن لم يسبق الوعد والتوكل كلي مشكك فتوكله عليه السّلام أشد من توكل موسى عليه السّلام وإن كان له فرط التوكل أيضا أو البناء على عادته أي عادة اللّه معه مع إبراهيم حيث جرت عادته معه الهداية إلى مقصده والعناية في حصول مرامه . قوله : ( ولم يكن كذلك حال موسى عليه السّلام حيث قال :
عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ
[ القصص : 22 ] ولذلك ذكر بصيغة التوقع ) ولم يكن كذلك حال موسى عليه السّلام الظاهر أنه سلب كلي ولو حمل لفظة أو على منع الخلو يكون قوله ولم يكن كذلك لرفع الإيجاب الكلي المتحقق في ضمن السلب الكلي والحاصل أن شيئا من الأمور المذكورة لم يتحقق في موسى عليه السّلام فليس فيما ذكره نسبة القصور إلى موسى عليه السّلام بل بيان ما هو سبب القطع هنا وبيان ما هو سبب التوقع في شأن موسى عليه السّلام فلا حاجة إلى ما يقال إن ذاك أمر دنيوي وهذا أمر ديني فلذا ناسب الجزم فيه بل للتفاوت بين مقاميهما إذ ذاك قبل البعثة بخلاف هذا وصرح المصنف في سورة الأنبياء كان إبراهيم عليه السّلام ابن ست عشر ح والأكثرون ذهبوا إلى أن البعثة على أربعين سنة فنبوة إبراهيم عليه السّلام في ذلك الحين ليست بمقطوع بها ثم الظاهر أن عادة العظماء التوقع في مقام الجزم صرح به المصنف في أواخر سورة التحريم وصيغة التوقع في كلام موسى عليه السّلام كذلك وأما سيدنا إبراهيم عليه السّلام فجرى على ظاهر الحال وجزم في المقال . قوله تعالى :

[ سورة الصافات ( 37 ) : آية 100 ]

رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ( 100 ) قوله : ( بعض الصالحين يعينني على الدعوة والطاعة ويؤنسني في الغربة يعني الولد لأن لفظ الهبة غالب فيه ) بعض الصالحين الظاهر أنه حمل من على كونه اسما بمعنى البعض ويحتمل أن يكون المعنى رب هب لي ولدا من الصالحين فتكون من بيانية وما ذكره قوله : وإنما بت القول أي قطع بقوله :
سَيَهْدِينِ
[ الصافات : 99 ] حصول الهداية معنى القطع مستفاد من سين سيهدين لأن سين الاستقبال للجزم بوقوع الفعل معنى سيهدين سيرشدني ويعصمني ويوفقني كما قال موسى
كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ
[ الصافات : 99 ] كان اللّه تعالى وعده وقال له سأهديك فأجرى كلامه على سنن موعد ربه أو أظهر به كمال توكله وتفويضه أمره إلى اللّه أو بناه على عادة اللّه معه في هدايته وإرشاده ولو رجا الهداية لقال مثل ما قال موسى عليه السّلام عسى ربي أن يهديني سواء السبيل أتى بكلمة التوقع وهي عسى فإن عسى تستعمل في مقام الرجاء وحصول المرجو غير مقطوع به عند الراجي وهو عنده بين أن يكون وبين أن لا يكون .