قوله : ( منكرا إياه ومستبعدا له والرميم ما بلي من العظام ولعله فعيل بمعنى فاعل من رم الشيء صار اسما بالغلبة ولذلك لم يؤنث أو بمعنى مفعول من رممته وفيه دليل على أن العظم ذو حياة ) منكرا أي الاستفهام للإنكار الوقوعي ومستبعدا له كالعلة للإنكار لكن المراد بالاستبعاد الاستحالة قوله وهي رميم حال من العظام تفيد العلة ومستبعدا له مستفاد من ذلك قوله ولعله فعيل من رم الشيء أي من الفعل اللازم صار اسما بالغلبة ولعله مراد الكشاف في جعله اسما جامدا فلا مخالفة له ولذلك لم يؤنث مع أنه خبر لمؤنث وفعيل بمعنى فاعل لا يستوي فيه المذكر والمؤنث أو بمعنى مفعول ولذا قال فيما مر ولعله الخ من رممته أي من الفعل المتعدي بمعنى أبليته فبلي وهو يستوي فيه المذكر والمؤنث ولو قيل إنه جامد غير صفة اسم لما بلي كما هو الظاهر من الكشاف فتذكيره ظاهر .
قوله : ( فيؤثر فيه الموت كسائر الأعضاء ) فيكون نجسا بالموت وهذا مذهب الشافعي وأصحابنا لا يقولون بحياته كالشعر والصوف ونحو ذلك ويقولون المراد بإحياء العظام ردها إلى ما كانت عليه من الغضاضة والطراوة والرطوبة في بدن حي حساس فلا يتنجس بالموت وثمرة الخلاف التنجس بالموت عنده دون عندنا والتفصيل في فن الفقه .
قوله تعالى :
[ سورة يس ( 36 ) : آية 79 ]
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ( 79 )
قوله : (
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ يس : 79 ] فإن قدرته تعالى كما كانت لامتناع التغيير فيه والمادة على حالها في القابلية اللازمة لذاتها )
قُلْ
[ يس : 79 ] إسكات لهم وتذكير لما نسيه من بدء خلقه
يُحْيِيهَا
[ يس : 79 ] قدم مع أن الظاهر الذي أنشأها أول مرة يحييها لسؤاله عمن يحييها لأن غرضه من السؤال إنكار الإحياء كما نبه عليه المصنف بقوله منكرا إياه أي الإحياء ذكر أولا للاهتمام به واختير في الصلة ما ذكر دون سائر الصفات لأن مضمون هذه الصلة جلي عند كل عاقل لا يتمشى فيها مكابرة غافل مع ما فيه إشارة إلى دليل الإعادة وقد روي عن الفارابي أنه كان يقول وددت أن أرسطو لو وقف على القياس الجلي الذي في هذه الآية لم ينكر الحشر الجسماني ولك أن تقول وكذلك سائر الحكماء السفهاء لو وقفوا على هذا القياس الجلي آمنوا بالبعث والقياس قوله : وفيه دليل على أن العظم ذو حياة أي وفي تعليق الأحياء بالعظام دلالة على سريان الحياة في العظام كسريانها في اللحم والدم والعصب وغيرها وكان الأنسب أن يذكر هذا بعد قوله :
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ يس : 79 ] لأن ما وقع في كلام اللّه تعالى أدل وأثبت للمقصود مما وقع في كلام البشر الذي حكاه اللّه تعالى عنه بقوله :
مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ
[ يس : 79 ] فإن اللّه تعالى أمر نبيه عليه الصلاة والسّلام بأن يقول
يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ يس : 79 ] فلو لا أن العظام غير قابلة للحياة لما قال يحييها فعلم منه أن في العظام حياة فإذا كان في العظام حياة يؤثر فيه الموت وبهذه الآية استدل الشافعي أن عظام الميتة نجسة لأن الموت يؤثر فيها من قبل أن الحياة تحلها وأما الحنفيون فهي عندهم طاهرة يقولون إن الحياة لا تحلها فلا يؤثر فيها الموت وإن المراد بإحياء عظام ردها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بدن حي حساس .