من المصرين على الكفر والإنكار فأجيب بذلك لكن المشهور في الأسلوب الحكيم عدم تعرض جواب السؤال الصريح فالأولى كونه جوابا مع زيادة لاقتضاء المقام الاطناب للتشديد في الوعيد ولبيان أنه يموت على الكفر ومراعاة الإطناب مرغوب لدى أولي الألباب ويدخلك أي يأمر الملائكة بأن يدخلك النار .
قوله : ( وقيل معنى
فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ
[ يس : 77 ] فإذا هو بعد ما كان مهينا مميز منطيق قادر على الخصام معرب عما في نفسه ) وقيل معنى فإذا هو خصيم الخ فح لا تسلية فيه ولا تقبيح بالنظر بل هو من بيان النعم التي أنعم اللّه تعالى عليه كما في أوائل سورة النحل من قوله تعالى :
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ
[ النحل : 4 ] على ما هو الظاهر ومعنى خصيم ح مميز قادر على الخصومة وإن لم يخاصم بل هو مجرد القدرة على اظهار ما في نفسه ومعنى مبين ح متعد أي مظهر ما في ضميره والتعقيب والمفاجأة ناظر إلى خلقه لا إلى علمه بالتأويل المذكور وكل منها خلاف الظاهر ولا يلائمه سوق الكلام وصدره وعن هذا مرضه ولم يرض به .
قوله تعالى :
[ سورة يس ( 36 ) : آية 78 ]
وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 )
قوله : (
وَضَرَبَ لَنا
) بيان للخصومة المذكورة وهذا لا يلائم المعنى الثاني أيضا والمعنى ففاجأ خصومتنا وضرب لنا مثلا وأما على التقدير الثاني فهو عطف على الجملة المنفية داخلة في حيز الإنكار والتقبيح قوله فإذا هو خصيم كالمعترضة بين المتعاطفين إذ ح هو معطوف على خلقنا غير داخل في حيز الإنكار بل هو من شواهد صحة البعث وتتماته لكونه بيانا لابتداء خلقه وما يترتب عليه ولا يخفى عدم جزالته .
قوله : ( أمرا عجيبا وهو نفي القدرة على إحياء الموتى ) أمرا أي مثلا هنا مستعار لأمر عجيب لكونه مشابها للمثل في الغرابة قوله وهو نفي القدرة الخ بقوله :
مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ
[ يس : 78 ] وهذا ليس من ضروب الأمثال فلفظ مثلا استعير لهذا القول العجيب في الغرابة .
قوله : ( وتشبيهه بخلقه بوصفه بالعجز عما عجزوا عنه ) وتشبيهه بخلقه بمخلوقاته هذا وجه آخر والمثل لكونه عبارة عما شبه مضربه لمورده يتضمن التشبيه فجعل هذا للمشابهة فأشار إلى الوجهين المذكورين في الكشاف لكن لما كان تشبيهه بخلقه مما كان من الأمور العجيبة جعلهما المصنف طاب اللّه ثراه وجها واحدا ولك أن تقول إن الواو في وتشبيهه بمعنى أو فيكون الوجهان مذكورين فيه أحدهما أن المراد بالمثل الأمر العجيب وهو إنكار قدرة اللّه تعالى على الإحياء والثاني تشبهه بخلقه بالعجز عما عجزوا عنه .
قوله : ( خلقنا إياه ) أشار أن المصدر مضاف إلى المفعول وإلى أن الخلق هنا ليس بمعنى المفعول والمراد معاملة النسيان لعدم جريه على مقتضى التذكر ولو تذكر حق التذكر ببدء خلقه لم ينكر الإعادة التي هي أهون فالعطف عطف العلة على المعلول .