تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
بالختم استعارة تبعية لكن هذا بالنسبة إلى المنكرين كقولهم :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
[ الأنعام : 23 ] وأما المعترفون فلا ختم على أفواههم قوله تعالى :
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ
[ النور : 24 ] بالنسبة إلى المعترفين فلا منافاة أو الختم في موطن والشهادة بالألسنة في موطن آخر أو الختم في زمان والشهادة في زمان آخر فلا منافاة أيضا . قوله : ( لظهور آثار المعاصي عليها ودلالتها على أفعالها ) حمل التكلم والشهادة على الاستعارة مثل نطق الحال فإنه أنطق من لسان المقال وظهور آثارها بأن تبدل هيئاتها بأخرى ولا يبعد أن تكون تلك المعاصي مصورة بصورة قبيحة وعلى التقديرين يعرفه أهل المحشر أو الملائكة . قوله : ( أو بإنطاق اللّه تعالى إياها وفي الحديث أنهم يجحدون ويخاصمون فيختم اللّه على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم ) أو بإنطاق اللّه تعالى إياها أي المعاصي كما قال تعالى :
قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ
[ فصلت : 21 ] لكن هذا ليس بنص في النطق بالمقال بل يحتمل أن يكون استعارة لدلالة الحال كما نبه عليه المصنف في تفسير الآية المذكورة وعن هذا جوز أن يكون التكلم والشهادة هنا استعارة للدلالة فمن اعترض عليه فقد اعترض على نفسه قوله : وتشهد للتفنن ولذا قال المص وتتكلم أيديهم وأرجلهم ولم يكتف بالفعل الأول بأن يقال وتكلمنا أيديهم وأرجلهم تنبيها على أن تكلم أرجلهم بنوع معاص مغاير لما تكلم به أيديهم والتقديم لأن اليد منشأ لمعاصي كثيرة وعن هذا قيل في أكثر المواضع
فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
ولعل المراد هنا جميع الأعضاء التي صدر منها المناهي ويؤيده قوله تعالى :
وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا
[ فصلت : 21 ] وأما المعاصي التي صدر من ألسنتهم فيجوز آثارها فيه أيضا واللّه أعلم بالصواب قال الإمام أسند اللّه الختم إلى ذاته وأسند الكلام والشهادة إلى الأيدي والأرجل لئلا يكون فيه احتمال أن ذلك منهم كان جبرا أو قهرا والإقرار بلا اختيار غير مقبول فقال :
تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ
[ يس : 65 ] أي باختيارها بعد أقدار اللّه تعالى إياها على الكلام ليكون أدل على صدور الذنب عنها انتهى قال المصنف في تفسير قوله تعالى :
قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ
[ فصلت : 21 ] أي ما أنطقنا باختيارنا الخ « 1 » وهذا وإن لم يكن بالاختيار لكنه الظرفية فالمعنى على الوجهين الأولين ولو نشاء لمسخنا أعينهم فلو راموا أن يستبقوا إلى الطريق الواضح الواسع الذي اعتادوا سلوكه لم يقدروا أن يعلموا جهة السلوك فضلا عن غيره وعلى الثالث لو نشاء لأعميناهم فلو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذي اعتادوا المشي فيه لعجزوا ولم يعرفوا طريقا يعني أنهم لا يقدرون إلا على سلوك الطريق المعتاد دون ما وراءه من سلوك الطرق والمسالك كما ترى العميان يهتدون فيما ألقوه من مقاصد دون غيرها وعلى الرابع ولو نشاء
هامش
( 1 ) فظهر ضعف ما قاله الإمام كأنه ذهل عن قولهأَنْطَقَنَا اللَّهُالآية وهنا لو قيل ( وتكلم أيديهم ) الآية لكان حسنا .