تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
بضده فذكر أن اعبدوني لما مر فلا إشكال بأن الأمر بعبادة اللّه أو عبادته تعالى لم يفهم صريحا كونها مما عهد إليهم . قوله : ( والتنكير للمبالغة والتعظيم ) في كونه صراطا مستقيما أي لا يعرف كنهه في باب الاستقامة قوله والتعظيم عطف المعلول على العلة فالتنوين للتعظيم وهذا فوق الحصر المستفاد من التعريف فلا يظن أن حقه التعريف لإفادته الحصر على أنه أفاد الحصر مع زيادة المبالغة . قوله : ( أو للتبعيض فإن التوحيد سلوك بعض الطريق المستقيم ) أو للتبعيض هذا بناء على أن المراد التوحيد فقط والأول بناء على أن المراد به كل ما يجب على المكلف اعتقاده أو المراد الجمع بين الاعتقاد الحق والعمل الصالح وهذا هو الذي اختاره في سورة قوله : والتنكير للمبالغة والتعظيم يعني كان مقتضى الظاهر التعريف لإرادة الحصر بأن يقال هذا الصراط المستقيم أو هذا الصراط المستقيم ليكون إثباتا له ونفيا لغيره لأن الصراط المستقيم لم يكن غير هذا لكن عدل عن الظاهر لفظ التنكير للمبالغة والتعظيم قال صاحب الكشاف يريد صراط بليغ في استقامته جامع لكل شرط يجب أن يكون عليه ونحو التنكير فيه ما في قول كثير :
لئن كان يهدي يرد أنيابها العلى * لا فقر مني إنني لفقير
بليغ الفقر حقيق بأن وصف به لكمال شرائطه في وإلا لم يستقم معنى البيت أي لو لم يحمل الفقير على بليغ الفقر لم يستقم معنى البيت لأن افعل التفضيل يستدعي أن يكون المهدي إليه كذلك كأنه قيل لم تجد أحدا أفقر مني لأن بلغت غايته كما قال المرزوقي كذلك لو لم يحمل هذا صراط مستقيم على المبالغة لم يتم معنى قوله لا تعبدوا الشيطان وأن اعبدوني لأن النهي عن عبادة الشيطان نهي عن متابعة سبيله وهي جميع طرق الضلالات والأهواء والبدع والأمر بعبادة الرحمن أمر باختصاص متابعة سبيل الحق كأنه قيل لا تعبدوا الشيطان وخصوني بالعبادة لأن صراطي بليغ في استقامته ونحوه ما روي عن ابن مسعود خط لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خطا ثم خط لنا خطوطا عن يمينه وعن شماله وقال هذه سبل على سبيل منهن شيطان يدعو إليه ثم قرأ :
أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ
[ الأنعام : 153 ]
وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
[ الأنعام : 153 ] . قوله : أو للتبعيض فإن التوحيد سلوك بعض الطريق المستقيمة وفي الكشاف ويجوز أن يراد هذا بعض الصراط المستقيم توبيخا لهم على العدول عنه والتفادي عن سلوكه كما يتفادى الناس عن الطريق المعوج الذي يؤدي إلى الضلالة والتهلكة كأنه قيل أقل أحوال الطريق الذي هو أقوم الطرق أن يعتقد فيه كما يعتقد في الطريق الذي لا يضل السلك كما يقول الرجل لولده وقد نصحه النصح البالغ الذي ليس بعده نصح هذا فيما أظن قول نافع غير ضار توبيخا له على الإعراض عن نصائحه قال الطيبي يعني أن قوله هذا بعض الطرق المستقيمة مع أن الواقع أنه كل الطرق بل ليس الطريق إلا هو للإيذان بأن المخاطب قد تفادى وتحامى وانزوى عن سلوكه يعني هب أن هذا الطريق ليس من الطرق التي بلغت في الكمال غايته ليس أنه بعض منها وأقل ما عليك أن تعتقد أنه طريق لا يضل السالك فيه فهضم من حقه ليكون توبيخا للمخاطب على عدم التفاته إليه واهجم به على قلبه وابعث على التفكر لأنه من كلام المص .