قوله تعالى :
[ سورة يس ( 36 ) : آية 59 ]
وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ( 59 )
قوله : ( وانفردوا عن المؤمنين وذلك حين يسار بهم إلى الجنة كقوله تعالى :
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ
[ الروم : 14 ] وقيل اعتزلوا عن كل خيرا أو تفرقوا في النار ) وذلك حين يسار بهم الخ ولك أن تقول وذلك حين يسار بهم إلى النار لقوله :
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ
[ الروم : 14 ] الآية الساعة أي يوم القيامة عبارة عن الزمان الممتد وقيام الساعة شامل لحين سوقهم إلى الجنة وإلى النار وامتازوا عطف على الجملة السابقة بناء على جواز عطف الإنشاء على الإخبار مطلقا كما نقل عن العلامة الزمخشري أو عطف القصة على القصة كما مر توضيحه في قوله تعالى :
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
[ البقرة : 25 ] الآية أو المعطوف عليه إنشاء معنى كأنه قيل أكثر بيان كونهم في شغل عظيم
وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ
[ يس : 59 ] أي الكافرون عنهم أو المعطوف مأول بالخبر لأن المراد أن المجرمين ممتازون عن الموحدين أو ممتاز بعضهم عن بعض ليسوا كأهل الجنة مع أهلهم وأزواجهم وعدل عنه إلى الأمر لما فيه من التهويل والمعنى الأخير لا يلائم قوله تعالى :
وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ
[ التكوير : 7 ] فالأولى الاكتفاء بامتيازهم وانفرادهم عن المؤمنين ولا ريب أن هذا ممكن في كل موضع فلا فائدة في المنع عن عطف الإنشاء على الخبر وبالعكس والأولى أنه معطوف على مقدر أي لا تجتمعوا وامتازوا مثل قوله تعالى :
وَبَشِّرِ الَّذِينَ
[ البقرة : 25 ] أي أنذر وبشر كما اختاره بعضهم .
قوله : ( فإن لكل كافر بيتا ينفرد به لا يرى ولا يرى ) ولعل هذا آخر أمرهم وبعد خطاب
اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
[ المؤمنون : 108 ] وإلا فقوله تعالى :
وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ
[ غافر : 47 ] الآية ينافيه ظاهرا والقول بأن هذا بلا رؤية ضعيف فالأولى الاكتفاء بتفرق المجرمين عن المؤمنين كما نطق به قوله تعالى :
وَامْتازُوا الْيَوْمَ
[ يس : 59 ] الآية وفسره بقوله وانفردوا عن المؤمنين وعدم تعرض تفرقهم في النار إذ لا مساس له في هذا المقام مع عدم ملائمته لأول كلامه في تحرير المرام .
قوله : وذلك حين يسار بهم إلى الجنة قال الطيبي أي يقال للمجرمين وامتازوا عن المؤمنين ليسار بهم إلى النار كما يسار بالمؤمنين إلى الجنة ويخاطبون بما يقابله أي وامتازوا اليوم أيها المؤمنون على تضمين أن أصحاب الجنة هذا المعنى وبيانه أن قوله :
وَلا تُجْزَوْنَ
[ يس : 54 ] خطاب مجمل يعلم أهل المحشر وفيهم الفريقان وتفصيله قوله :
إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ
[ يس : 55 ] وقوله :
وَامْتازُوا
[ يس : 59 ] فلا بد من ذلك التقدير ليصح عطف الطلبي على مثله وإنما لم يقدر خلافه بأن يقال إن أصحاب النار كذا لأن المجمل وهو اليوم تجزون خطاب والمناسب أن يكون التفصيل أيضا خطابا ليطابق المجمل وإلى هذا الإجمال والتفصيل أشار صاحب الكشاف بقوله ونحوه قوله تعالى :
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا
[ الروم : 14 - 16 ] الآية .