قوله تعالى :
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 72 ]
ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا ( 72 )
قوله : ( ثم تنجي الذين اتقوا فيساقون إلى الجنة وقرأ الكسائي ويعقوب ننجي بالتخفيف وقرىء ثم بفتح الثاء أي هناك ) لما كان التنجية فعل اللّه تعالى لطفا وكرما قيل هكذا ولم يقل ثم ينجي الذين اتقوا ولما كان التنجية من عذاب جهنم مع ورودها أمرا عظيما عبر بنون العظمة وكذا الكلام في
وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ
[ مريم : 72 ] والمراد بالمتقين المرتبة الوسطى والمراد بالظالمين الكافرون وحال عصاة المؤمنين مسكوت عنها ولو تمحل وعممت المتقين أو الظالمين إلى عصاة المؤمنين لم يبعد .
قوله : ( منهارة بهم كما كانوا ) أي ساقطة بهم .
قوله : ( وهو دليل على أن المراد بالورود الجثو حواليها وأن المؤمنين يفارقون الفجرة إلى الجنة بعد تجاثيهم وتبقى الفجرة فيها منهارة بهم على هيئاتهم ) وجه الدلالة أنه لما ذكر أن الجميع واردون عليها إذ الخطاب لعموم الإنسان ثم قسمهم إلى ناجين وإلى متروكين فيها على حالهم وهو معنى قول المص منهارة بهم كما كانوا من هيأتهم من الجثي علم أن مقابلهم جاثون أيضا لكنهم غير متروكين بل ناجون فيكون التقدير ونذر الظالمين في حواليها بقرينة الجثو أي البروك على ركبهم وهذه الدلالة بمعنى الأمارة فلا يرد أن هذا إنما يتم إذا ثبت أن لا جثو في النار وهو غير معلوم وأيده المعترض بأن الظالمين لا يتركون حولها بل يدخلون النار عدلا انتهى وقول المص منهارة بهم إشارة إلى جواب ذلك بأن المراد يترك الظالمين في حواليها تركهم فيها منهارة بهم فإن حواليها لخورها وقلة استمساكها أدت إلى السقوط في النار كما أشير إليه في قوله تعالى :
أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ
[ التوبة : 109 ] الآية والعجب من المورد وهو صاحب الكشف أنه كيف ذهل عنه مع ظهوره غاية ما في الباب أن ما ذكره من كون المراد الجثو في النار لا في حواليها محتمل كما يؤيده ذكر جثيا نكرة فيكون غير الأول لكن لا جزم فيه فيكون المراد ما ذكر في قوله تعالى :
ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا
[ مريم : 68 ] لكن المراد هنا مع السقوط في نار جهنم كما عرفته .
قوله : وهو دليل على أن المراد بالورود الجثو حواليها وجه الدلالة أن قوله :
وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا
[ مريم : 72 ] معناه نتركهم كائنين على حالهم الأولى منهارة بهم أي منهدمة بهم والباء للتعدية وحال هم الأولى هي الجثو المدلول عليه بقوله :
لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا
[ مريم : 68 ] فيفهم منه أن الورود الواقع في البين بمعنى الجثو لا بمعنى آخر إذ حينئذ يكون الورود حالهم الأخرى غير حال الجثو لأنه لو كان معنى غير الجثو لكان الأنسب أن يقال ونذر الظالمين ورودا أي واردين فيها الجثو فعلم منه أن معنى
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
[ مريم : 71 ] وإن منكم إلا جاث حولها .