يتقدمهما للدلالة على أن المنكر بالذات هو المعطوف وأن المعطوف عليه إنما نشأ منه ) هذا مسلك الزمخشري حيث قال وسقطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف العطف يعني أيقول ذلك ولا يتذكر حال النشأة الأولى حتى لا تنكر الأخرى فإن تلك أعجب إلى آخره ومراده أنه عطف على يقول المحذوف كما عطف
أَ وَعَجِبْتُمْ
[ الأعراف : 63 ] على مقدر أي أكذبتم وعجبتم فالمعنى هنا أيقول ذلك ولا يتذكر فهذا أحد المسلكين في مثل هذا الكلام فيصح القول بأنه وسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وهو يقول المقدر وحرف العطف كما في أو عجبتم قال المصنف هناك الهمزة للإنكار والواو للعطف على محذوف أي أكذبتم وعجبتم وهو صريح فيما ذكرناه فلا إشكال « 1 » أصلا لأنه طريق معهود في حل مثل هذا الكلام فحاصل كلام الشيخين أنه لم ادخل حرف الإنكار على العاطف فتوسط بين الكلامين مع أن المعطوف عليه وهو يقول ذلك منكر كعدم التذكير فأجابا بأن الظاهر أن يقال أيقول ائذا مت الخ لكن مقتضى الحال ما اختير في النظم لأنه يدل على أن المنكر بالذات وبلا واسطة هو المعطوف وهو عدم التذكر وكون القول منكرا وإن كان بالذات لكن منشأه عدم التذكر فكأنه منكر بالواسطة وإلى هذا أشار بقوله وإن المعطوف عليه إنما نشأ منه ولم يقل إنما نشأ إنكاره منه فإن قيل إنكار المعطوف عليه من أي شيء يستفاد أجيب بأن الهمزة لما دخلت على الواو المفيدة للجمع أفادت إنكار الجمع مع أن عطف الإنشاء على الخبر في مثله غير صحيح أو غير حسن فلا ريب أن الاستفهام مسلط على المعطوف عليه ويرد عليه أنه لو كان الأمر كذا لا معنى لاختلافهم في جواز عطف الإنشاء على الخبر وأيضا لا وجه لاشتراط اتفاق الجملتين خبرا وإنشاء إذ العطف بالواو يفيد الجمع فيكون المعطوف عليه إنشاء أيضا كما قرر هنا فالوجه ما قدمناه من أن الهمزة داخلة على المعطوف عليه المقدر في الحقيقة لكنه عدل عنه ظاهرا لما ذكره من النكتة .
قوله : ( فإنه لو تذكر وتأمل
أَنَّا خَلَقْناهُ
[ مريم : 67 ] الآية ) هذا مزج كلامه بالنظم الجليل واللّه تعالى أعلم بحسنه .
قوله : ( بل كان عدما صرفا لم يقل ذلك فإنه أعجب من جمع المواد بعد التفريق قوله : فإنه أعجب من جمع المواد بعد التفريق وإيجاد مثل ما كان فيها من الإعراض لفظ المثل إشارة إلى أن الإعراض لا تبقى زمانين فإن ما يوجد من الإعراض في الزمان الثاني ليس عين ما وجد في الزمان الأول بل هو مثله على ما هو المبرهن في فني الكلام والحكمة والبعض يعمم الحكم ويقول الجواهر كالإعراض في أنها تتجدد بتجدد الأمثال وعليه الكمل من المشايخ المتصوفة مستدلين عليه بقوله :
بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
[ ق : 15 ] وقالوا من ذلك حضور عرش بلقيس ووجوده عند سليمان النبي عليه السّلام وهو إنما وجد عند سليمان بالإيجاد
هامش
( 1 ) من أن الهمزة ليست من المعطوف لتقدمها عليه ولا من المعطوف عليه لتأخرها عنه وكيف يدخل الإنكار على يقول مع تأخر الهمزة عنه وفيه إبطال صدارتها فإذا عطف على يقول المقدر ارتفع الإشكالان .