وأن محامدهم لا تخفى على تباعد الأعصار وتحول الدول وتبدل الملل ) احقاء جمع حقيق وهذا ناظر إلى الإضافة لأنه لا يكون حقيقا لائقا إلا إذا كان صادقا مطابقا للواقع وأشار إلى أن الإضافة من قبيل إضافة الموصوف إلى مبدأ الصفة للمبالغة كأنه عين صدق لكونه صادقا على وجه المبالغة قوله وأن محامدهم الخ راجع إلى التوصيف بالعلى على طريق اللف والنشر المرتب قوله لا تخفى تنبيه على أن العلو مستعار لعدم الخفاء لأن ما علا وارتفع ظهر ظهورا بينا فشبه اللسان الصادق بالأمر العالي في عدم الخفاء أو مجاز مرسل لأن العلى يلزمه الظهور .
قوله تعالى :
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 51 ]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا ( 51 )
قوله : ( موحدا أخلص عبادته عن الشرك والرياء ) موحدا هذا ثابت بطريق الاقتضاء قوله عبادته إشارة إلى مفعوله المقدر عن الشرك أي الجلي والرياء أي الشرك الخفي فيفيد كونه موحدا .
قوله : ( أو أسلم وجهه للّه وأخلص نفسه عما سواه وقرأ الكوفيون بالفتح على أن اللّه أخلصه ) والمراد به ذاته ولذا قال وأخلص نفسه فالمفعول المقدر ح نفسه ومآلهما واحد وإن كانا متغايرين مفهوما والوجه الأخير انسب بحسن التعبير قوله على أن اللّه أخلصه أي جعله خالصا عن كل ما لا يليق به وهذا أبلغ من المخلص بكسر اللام .
قوله : ( أرسله اللّه إلى الخلق فأنبأهم عنه ) إشارة إلى أن الرسول بمعنى المرسل فأنبأهم إشارة إلى أن النبي بمعنى المنبىء من النبأ فأبدل الهمزة في النبي والنبوة ولما كان الإرسال مقدما والإنباء مؤخرا قدم رسولا في الذكر ليوافق الوجود قوله ولذلك أي لكون درجة الرسالة متقدمة على مرتبة النبوة والإنباء إشارة إلى ما ذكرنا .
بالثناء فلإفادتها أن ثناءهم يطابق الواقع ومن يكون ثناؤه مطابقا للواقع يكون حقيقا بالثناء وأما دلالة التوصيف على ما ذكره فمن حيث إن علو اللسان هو علو المدح وعلو المدح عبارة عن ظهوره وانكشافه على كل أحد في كل زمان لأن ما لا يعرفه بعض الناس ولو كانوا قلائل أو ما انقطع ونسي في زمان لا يكون عليا .
قوله : أخلص عبادته عن الشرك والرياء عطف الرياء على الشرك من عطف الخفي على الظاهر بعد اشتراكهما في معنى الشرك فإن الرياء شرك خفي .
قوله : وقرأ الكوفيون بالفتح أي بفتح لام مخلصا على أنه مفعول من أخلص .
قوله : أرسله اللّه إلى الخلق وأنبأهم عنه ولذا قدم رسولا مع أنه أخص وأعلى يعني أن الإنباء لما كان متأخرا في الوجود عن الإرسال قدم الرسول على النبي على ترتيب الوجود الخارجي مثل
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
[ البقرة : 255 ] ولولا هذا الاعتبار لكان يغني ذكر الأخص عن ذكر الأعم لأن كل رسول نبي دون العكس ولكان الأنسب أن يتقدم النبي على الرسول تدرجا من الأدنى إلى الأعلى .