ذكرنا قوله وعجبهم أي اعتقادهم أنهم على الحق كما سيجيء ذكره مع أن الكفر كاف في البطلان تسجيلا على كمال شناعتهم وسوء اعتقادهم .
قوله : ( كالرهابنة فإنهم خسروا دنياهم وآخرتهم ومحله الرفع على الخبر المحذوف فإنه جواب السؤال أو الجر على البدل أو النصب على الذم ) كالرهابنة جمع « 1 » رهبان وهو جمع راهب كراكب وركبان أي المبالغ في الخوف فإنهم خسروا دنياهم حيث تركوا تحصيل المال والتمتع بأنواع اللذات واجتهدوا في العبادات والكف عن الشهوات وأخريهم وخسرانهم في الآخرة ظاهر .
قوله : (
وَهُمْ يَحْسَبُونَ
[ الكهف : 104 ] الآية ) تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لتقوية الحكم وأما الحصر فليس بمناسب ( لعجبهم واعتقادهم أنهم على الحق ) .
قوله تعالى :
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 105 ]
أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ( 105 )
قوله : ( بالقرآن أو بدلائله المنصوبة على التوحيد والنبوة ) بالقرآن أي المراد الآيات النقلية أو بدلائله أي المراد العقلية ولا منع من الجمع فأو لمنع الخلو .
قوله : ( بالبعث على ما هو عليه ) ليكون شاملا لأهل الكتاب فإنهم آمنوا بالبعث والمعاد الجسماني لكن لا على ما هو عليه حيث قالوا لا يدخل الجنة غيرهم وإن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة وغيرها .
قوله : ( أو لقاء عذابه ) أول اللقاء أولا بالبعث لتوقفه عليه ثم أشار إلى أن المضاف محذوف وهو العذاب قدم الأول لأن إنكار البعث يستلزم إنكار لقاء عذاب اللّه تعالى بدون عكس مع أن لقاء الرب مشتهر في معنى البعث .
قوله : ( بكفرهم فلا يثابون عليها ) أشار إلى أن الفاء سببية ولم يقل وعجبهم لما ذكرناه من أن الكفر يكفي في ذلك الحبط قوله فلا يثابون عليها بيان معنى الحبط .
قوله : ( فنزدري بهم ولا نجعل لهم مقدارا واعتبارا أو لا نضع لهم ميزانا يوزن به أعمالهم لانحباطها ) فنزدري بهم ونحقرهم فالوزن عبارة عن الاعتبار قوله أو لا نضع لهم الخ لأن أعمالهم الحسنة لما حبطت وجعلت هباء منشورا لا مجال لوزنها لأنها كالمعدوم لانحباطها وعلى كلا التقديرين لا يلزم منه أن لا يوزن الأعمال فإنه مذهب المعتزلة ومذهب أهل الحق أنها توزن اظهارا للمعدلة وقطعا للمعذرة لكن إذا كان له حسنات وسيئات وأما إذا لم يكن عمل قوله : فنزدري بهم أي فنحقرهم جعل نفي إقامة الوزن لهم كناية عن تحقيرهم وقوله أو فلا نضع لهم ميزانا يوزن به أعمالهم لانحباطها مبنى على أن نفي إقامة الوزن لهم حقيقة ليس المراد به المعنى الكنائي .
هامش
( 1 ) وهو يكون واحدا وجمعا كما في الراغب لكن المص صرح في أواخر سورة الحديد أنه جمع .