قوله : ( وأصل التركيب للميل يقال ضاف السهم عن الغرض إذا مال ) ولكون الضيف مائلا إلى جانب المضيف سمي به ويمكن عكسه قوله :
اسْتَطْعَما أَهْلَها
[ الكهف : 77 ] أعيد الأهل لأجل التأكيد كقوله :
ليت الغراب غداة ينعب بيننا * كأن الغراب مقطع الأوداج
أو لكراهة اجتماع الضميرين المتصلين أو للتنبيه للمغايرة لأن المراد بالأهل الأول بعضهم كما هو المعتاد في الاتيان استطعما جميعهم لما ورد في الحديث أنهما كانا يمشيان على مجلس أولئك القوم يستطعمانهم فلو قيل استطعماهم لكان المتبادر أنهما استطعما ذلك البعض الذي اتياه فجيء بالظاهر ليعم جميعهم كذا نقل عن أبي حيان وغيره ويرد عليه أنهما لما كانا يمشيان على مجالس أولئك القوم كانا يأتيان على جميع القوم فلا تغاير بين الأهلين ولو سلم فطريق الاستخدام من محسنات « 1 » الكلام ولو قيل إنه خلاف الظاهر فعدم ذكر الشيء معرفه عين الأول خلاف الظاهر أيضا وحين قيام القرينة يصار إليهما فلا رجحان لمجيء الظاهر على المضمر فالأولى أنه للتأكيد ولتقرره في الذهن وللتسجيل على كمال خبثهم وفرط شحهم وذكر الظاهر أدل على ذلك ونظائره كثيرة وقيل لأن جملة
اسْتَطْعَما أَهْلَها
[ الكهف : 77 ] صفة قرية فاقتضى التركيب المظهر إذ لو قيل فاستطعماهم خلت الصفة عن ضمير الموصوف إذ ذكر الأهل أولا لا بد منه لأن الإتيان إلى نفس القرية إنما يكون إذا كان ذلك المكان مقصودا بالإتيان كعرفات ومزدلفة ومنى والبيت الحرام وأما إذا كان المقصود بالاتيان أهل القرية فلا بد من ذكر الأهل وهنا كذلك لأن القرية ليست محلا للقرية فالمقصود أهاليها وأيضا ليست مقصودا بالأبواء والإنزال فقط بل المقصود الانتفاع والاستطعام بقرينة ما بعده ولم يجعل تلك الجملة صفة للأهل لأن العناية شرح حال القرية ألا يرى أن قوله :
فَوَجَدا فِيها جِداراً
[ الكهف : 77 ] الآية بيان حال القرية وكذا ما قبله فيكون صفة للقرية لا للأهل فلو اضمر لزم المحذور المذكور وكون الصفة معلومة « 2 » للسامع قبل التوصيف بالصفة أكثري لا كلي صرح حسن جلبي في حاشية المطول وجوز البعض كون جملة استطعما جزءا ذاتيا ولعل ما ورد في الحديث : « أنهما يمشيان على مجالس أولئك القوم ليتبرك القوم ببركتهما ويشربون بزلال شربتهما لا لطلب الطعام فقط فإنهما ذوا القوة القدسية لا يضرهما الجوع لو سلم أصابته » .
قوله : ( يداني أن يسقط فاستعيرت الإرادة للمشارفة كما استعير لها الهم والعزم ) أي قوله : فاستعيرت الإرادة للمشارفة لأن الإرادة مختصة بالإحياء فشبه مشارفة الجدار للانقضاض بالإرادة بجامع الميلان فاستعيرت الإرادة للمشارفة استعارة تبعية تصريحية .
هامش
( 1 ) فلم لا يجوز أن يجيء بالضمير بطريق الاستخدام .
( 2 ) إشارة إلى جواب الإشكال بأن هذه الجملة لا تجوز أن يكون صفة للقرية ولا للأهل وإلا لوجب أن يثبت لموصوفها قبل هذه القصة مرة .