قوله : ( تحقيقا وتقليدا لأنهم لا يفقهون ولا يسمعون ) أي النفي على العموم قوله :
لا يَفْقَهُونَ
[ الفتح : 15 ] ناظر إلى تحقيقا ولا يسمعون ناظر إلى تقليدا أو ناظر كل منهما إلى كل منهما إذ المقلد يفقهون لكن لا بالاستدلال والمحقق يسمعون ثم يستدلون .
قوله : ( وأذن كما عرفت جزاء وجواب للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على تقدير قوله : ما لي لا أدعوهم فإن حرصه على إسلامهم يدل عليه ) قال الدماميني في شرح التسهيل الصواب أن يقال كونها جوابا لا ينفك عنها بخلاف الجزائية فإنها قد تنفك عنه ومعنى كونها جوابا أنها لا تقع إلا في كلام يجاب به كلام آخر إما محقق وإما مقدر ومعنى كونها جزاء أنه يجازى بها أمر وقع وليس المراد بالجواب والجزاء معناهما الاصطلاحي حتى يكونا بمعنى واحد كذا قيل ونبه المص بقوله على تقدير قوله : ما لي لا أدعوهم على أن أذن هنا جواب لكلام مقدر وأن الجواب هو مجموع الشرط وجوابه والحاصل أن أذن جزاء للفعل وجواب للقول وهنا لما لم يوجد القول صراحة حاول بيان وجه كونه جوابا للقول فقال على تقدير ما لي لا ادعوهم فأجيب هذا القول بأنه إن دعوت فلن يهتدوا أبدا بناء على أن ما لي لا ادعوهم في قوة ادعوهم إذ الاستفهام للإنكار والتعجب وهذا البيان تضمن أنه جزاء لفعل الدعوة فإن الدعوة يليق أن يجازي بالابتداء لكنهم لكونهم مطبوعي القلب جعلوا ما يجب أن يكون سبب للاهتداء سببا لانتفائه فجوزي فعل الدعوة بعدم الاهتداء نظيره أنا آتيك إذن أضربك ودليل تقدير هذا قوله تعالى :
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ
[ الكهف : 6 ] فإنه منع من الدعوة على هذا « 1 » الوجه المؤدي إلى أمر غريب لا منع الدعوة مطلقا وعن هذا قال فإن حرصه على إسلامهم الخ وهذا أولى من القول المنع عن الدعوة حين خوطب بمثل قوله تعالى :
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا
[ النجم : 29 ] ومن القول بأنه مفهوم من قوله :
وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى
[ الكهف : 57 ] .
قوله تعالى :
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 58 ]
وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً ( 58 )
قوله : ( البليغ المغفرة ) هذا مستفاد من صيغة المبالغة .
قوله : جزاء وجواب إما أنه جزاء فلأنه جعل دعوة الرسول سببا لانتفاء اهتدائهم أبدا لأنهم لعنادهم يزيد ضلالهم ويشتد شكيمتهم بسبب دعوة الرسول حتى يستحيل اهتداؤهم وتنتفي أبدا فجعلوا ما يكون سببا لوجوب اهتدائهم سببا لانتفائه منهم من يقول لا يصح كونه جزءا إلا تقدير الأخيار والأعلام وقد خفي عليه أن الجزاء ليس مجرد انتفاء الاهتداء بل انتفاء الاهتداء أبدا ودعوة الرسول سبب لأبدية انتفاء الاهتداء لما ذكرنا أنهم لعنادهم يزيد ضلالتهم ويشتد شكيمتهم بسبب دعوة الرسول وأما إنه جواب فلما قال المص على تقدير قوله : ما لي لا أدعوهم يعني كأنه عليه الصلاة والسّلام قال ما لي لا أدعوهم فأجيب بأنك إن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا .
هامش
( 1 ) لا منع الدعوة مطلقا .