النَّاسَ
[ إبراهيم : 44 ] فإنه خطاب له عليه السّلام وعطف على
لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ
[ النور : 57 ] .
قوله : ( والمراد به تثبيته على ما هو عليه من أنه مطلع على أحوالهم وأفعالهم لا يخفى عليه خافية ) جواب إشكال تثبيته على ما هو إذ النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده ولما كان المأمور به حاصلا قبل الأمر حمله على الثبات والدوام أي دم على ذلك من علمك بأنه منزه عن الغفلة ولما كان المراد به الأمر مجازا لأن ظاهر النهي ليس بمقصود كان مثل قوله
فَصَلِّ لِرَبِّكَ
[ الكوثر : 2 ] أي دم عليها وكذا الحال في نظائره فلا يعرف وجه ما قاله صاحب الكشاف من قوله أن فيه ركاكة يصان التنزيل عنها إذ لا يتوهم عدم الثبات عليه كما لا يتصور منه جواز الغفلة إذ بعد ما ورد في التنزيل الأمر بمعنى الدوام لا وجه لهذا الكلام والعجب أن البعض تبعه واستحسنه ومن جملة ذلك قوله :
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
[ المائدة : 67 ] الآية بعد الأمر به وقوله : وذكر فما أنت بنعمة ربك بمجنون والفرق أن النهي يقتضي إمكان وقوع المنهي عنه من العبد وأما الأمر فلا يقتضي توهم عدم الثبات فيصح أمره عليه السّلام بدوام ما كان عليه مع انتفاء توهم عدم الثبات وأما نهيه عما لا يتوقع منه عليه السّلام فلا بد من التمحل فيه مع أن الأمر بالدوام يورث النشاط والانبساط .
قوله : ( والوعيد بأنه معاقبهم على قليله وكثيره لا محالة ) أي أن المراد منه الوعيد مجازا بمرتبتين فإنه مجاز عن حسبانه تعالى تاركا لعقابهم لطفا وكرما والتعبير عنه بذلك للمبالغة في النهي والإشعار بأن ذلك الحسبان بمنزلة حسبانه غافلا إذ العلم بذلك مستوجب للعقاب لكن لا مطلقا بل بناء على أنه تعالى قطع على عدم عفو الشرك فحسبان عفوه تعالى ولو بالنظر إلى لطفه بمنزلة حسبانه تعالى غافلا عما يعملون وهذا أيضا مجاز عن الوعيد لكونه لازما له وهذا وجه ثان لتوجيه
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ
[ إبراهيم : 42 ] الآية قوله : والمراد تثبيته الخ أي تثبيت على فاعله ترك الحسبان هذا جواب عما يسأل ويقال يتعالى اللّه عن السهو والغفلة فكيف يحسبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم غافلا وهو أعلم الناس باللّه فأجيب بأن المراد الثبيت على ما كان عليه أنه لا يحسب اللّه غافلا كقوله عز وجل :
وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
[ القصص : 87 ، 88 ] كما جاء
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
[ النساء : 136 ] ويجوز أن يكون المراد بالنهي عن حسبانه غافلا الايذان بأنه تعالى عالم بما يفعل الظالمون لا يخفى عليه شيء منه وأنه معاقبهم على كثيره وقليله على سبيل الوعيد والتهديد كقوله :
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
[ البقرة : 283 ] يريد الوعيد فهذا كناية أو مجاز في المرتبة الثانية عن الوعيد والتهديد أي لا تحسبن اللّه يترك عقابهم لأنه جائز في كرمه أن يعفو عنهم لكن لا بد أن يعاقبهم على القليل والكثير وهذا هو المراد بقوله أو الوعيد بأنه معاقبهم وفي الكشاف وجه آخر وهو أن يراد ولا تحسنه تعالى يعاملهم معاملة عما يعملون ولكن يعاملهم معاملة الرقيب عليهم الغافل المحاسب على النقير والقطمير فعلى هذا يكون من باب الاستعارة التمثيلية كما مر في يخادعون اللّه .