فإن الأول بالنسبة إلى أن المهدد به كالمطلوب وهذا باعتبار أن المخاطب مثل المأمور به قوله لانهماكه يشير إلى أن المراد الأمر بدوام التمتع لا به فيكون مجازا بمرتبتين كما هو الظاهر فإن مصيركم أي رجوعكم إلى النار على أن المصير مصدر صار بمعنى التام وإلى النار خبر ان لكن الرجوع هنا لا بمعنى العود إلى الحالة الأولى بل العود إلى مقرهم الأبدي كأنه مكانهم الأصلي الذي انتقلوا منه ثم عادوا إليه .
قوله : ( وإن المخاطب لانهماكه فيه كالمأمور به من آمر مطاع ) إن المخاطب أي المخاطبين لانهماكه فيه يوهم أن الأمر التهديدي إنما يكون إذا كان المخاطب ملابسا للشيء الذي هو المهدد عليه ومنهمكا فيه وهذا وإن سلم لكنه أكثري لا كلي والقول بأن كلامه خاص بهذا المقام مدفوع بأن قوله أن المهدد عليه وأن المخاطب عام بحسب الظاهر وهذا كاف في التوهم على أن الاستقراء يعين ذلك .
قوله تعالى :
[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 31 ]
قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ ( 31 )
قوله : (
قُلْ لِعِبادِيَ
[ إبراهيم : 31 ] ) إعادة قل للإشارة إلى تباين المقولين الأول تهديد والثاني تشريف ولما كان بين القولين تباين باعتبار المقولين ترك العطف لعدم الجامع .
قوله : ( خصهم بالإضافة تنويها لهم ) أي تشريفا لهم فإن الغرض من الإضافة تعظيم شأن المضاف والتعبير بالجمع للنص على الاستغراق والتوصيف بالوصف العام يزداد تقريرا له قيل وإلا فالأمر شامل لهم ولغيرهم بناء على أن الكفار مخاطبون بالفروع انتهى .
والظاهر أن مراده حمل الكلام على التخصيص كما أن الخطاب الأول خاص بالكفار كذلك الخطاب هنا مخصوص بالأخيار . ( وتنبيها على أنهم المقيمون لحقوق العبودية ) .
قوله : ( ومفعول قل محذوف دل عليه جوابه أي
قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا
[ إبراهيم : 31 ] ) أي مقولة محذوف للاختصار للقرينة الدالة على تعيينه وإليه أشار بقوله يدل الخ أي
قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا
[ إبراهيم : 31 ] أي مما قوله : خصهم بالإضافة يعني لم يقل :
قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا
[ الجاثية : 14 ] بل قيل :
قُلْ لِعِبادِيَ
[ إبراهيم : 31 ] دلالة بالإضافة على تعظيم العباد وبلفظ العباد على أنهم المقيمون بحق العبودية .
قوله : يدل عليه جوابه أي جواب قل تقديره :
قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا
[ إبراهيم : 31 ] يقيموا الصلاة وينفقوا فحذف أقيموا وانفقوا لدلالة يقيموا وينفقوا عليه ولا يظن منه أن يقيموا وينفقوا جواب أقيموا وانفقوا المحذوفين كلا وحاشا لأن التقدير حينئذ أن تقيموا يقيموا وأن تنفقوا ينفقوا وذلك ليس بمستقيم إذ لا ملازمة بين إقامة المخاطبين وإقامتهم وكذا بين انفاقهم وانفاقهم بل هما جواب قل أقيموا وانفقوا .