قوله : ( فتخبط عقلك ) أي فتختل عقلك وعن هذا اختل كلامك فحاصل كلامه إثبات الجنون كقوله :
إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
[ الشعراء : 27 ] فكونه بمعنى الساحر لا يفيد ذلك مع أنه مقصود الأشقى فحمله على الساحر خلاف الأولى .
قوله تعالى :
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 102 ]
قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً ( 102 )
قوله : ( يا فرعون ) بقرينة وإني لأظنك يا فرعون مثبورا .
قوله : ( وقرأ الكسائي بالضم على إخباره عن نفسه ) فالعلم ح ظاهر وأما على الأول فلتنزيل تمكنه منزلة العلم لأنه جاهل بربه لكونه دهريا صرح به في سورة الشعراء لكن قوله ولكنك تعاند يشير إلى أنه عالم به ولعل هذا بناء على أنه ليس بدهري بل عارف بربه ويؤيده قوله تعالى :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ
[ النمل : 14 ] الآية بين هذا وبين القول بأنه دهري نوع منافرة فتدبر « 1 » وعلى كلتا القراءتين فيه رد لقوله إني لأظنك يا موسى مسحورا سواء كان بمعناه أو بمعنى الساحر إذ المعنى أن علمي وعلمك بأن تلك الآيات من اللّه تعالى حيث لا يقدر عليها غيره تعالى يفيد أني لست بساحر ولا مختل العقل وإن كلامي منتظم غير مختل لكن فرط حب الرياسة حملك على الإنكار والعناد واللّه لا يحب الفساد .
قوله : ( يعني الآيات التسع ) إما تغليبا أو حقيقة والمراد بها المعجزات أو الأحكام .
قوله : ( بينات ) أي لا سحر ولا تخيل كما ادعيته عنادا واستكبارا .
قوله : ( تبصرك صدقي ولكنك تعاند ) تبصرك من البصيرة أي تعلمك صدقي كما تبصر غيرك فالتخصيص إذ السوق لرده وهذا إشارة إلى وجه التعبير بالبصائر جمع بصيرة بمعنى مبصرة أي مبينة لا بينة بنفسها ولذا قال تبصرك للتنبيه على كونه متعديا قال في سورة الأنعام البصائر جمع بصيرة وهي للنفس كالبصر للبدن سميت به الدلالة لأنها تجلى لها الحق وتبصرها .
قوله : ( وانتصابه على الحال ) وعامله مقدر أي أنزلها بصائر أو أنزل المذكور أن جوز أن يعمل ما قبل إلا فيما بعدها وإن لم يكن مستثنى ولا تابعا له وذو الحال هؤلاء وهي محققة وإن ظن أنها مقدرة .
قوله : ( مصروفا عن الخير مطبوعا على الشر من قولهم ما ثبرك عن هذا أي ما صرفك ) فالثبر مطلق الصرف والتقييد مستفاد من القرينة حيثما قيد وهنا قيد عن الخير لدلالة الحال عليه وكونه ممنوعا عن الخير بتوغله على الشر ولذا قال مطبوعا على الشر لانهماكه في المعاصي فلا إشكال بأنه يلزم الجبر وسلب الاختيار وقد مر التفصيل في قوله تعالى :
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
[ البقرة : 7 ] الآية .
هامش
( 1 ) ولك أن تقول إن جهلة قبل ظهور الآيات عنده والاستيقان بعد ظهورها .