والانسياق الكلام عسى أن يبعثك ذكر بصيغة الإطماع جريا على عادة الملوك واشعارا بأنه تفضل وهذا بيان تكريمه عليه السّلام في يوم القيامة أثر بيان تعبده ومجاهدته في الدنيا .
قوله : ( مقاما يحمده القائم فيه وكل من عرفه وهو مطلق في كل مقام يتضمن كرامة ) يحمده القائم فيه أي الموجود في ذلك المقام وكل من عرفه أي كل من لم يوجد في ذلك المقام لكنه عرفه فيحمده أيضا إما لوصول نفعه إليهم أن أريد به الشفاعة التي تشفع لجميع الخلائق في تخليصهم من هول الموقف وطوله أو لاستحقاقه لأن يحمد لعلو شأنه أن أريد به الشفاعة لعصاة الموحدين وكذا الكلام أن أريد به مطلق المقام الذي يتضمن كرامة سواء كان مقام الشفاعة أولا لكن المشهور مقام الشفاعة كما قاله المص ثم أيده بما روى أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه فتجويزه إرادة مطلق المقام الخ لأنه من الآحاد فلا يفيد القطع .
قوله : ( والمشهور أنه مقام الشفاعة لما روى أبو هريرة رضي اللّه عنه أنه عليه السّلام قال هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي ولاشعاره بأن الناس يحمدونه لقيامه فيه وما ذلك إلا مقام الشفاعة ) وهذا الحصر أي وما ذاك إلا مقام الشفاعة ينافي ما ذكره أولا من قوله وهو مطلق في كل مقام الخ بحسب الظاهر وجه الاشعار أن المقام محل القيام ثم شاع في مطلق المحل وحمد المقام من حيث إنه محل قيام يقتضي أن يكون ذلك القيام محمودا أيضا وهو إنما يكون بعظم القيام وشرافته ولا معنى لكون القيام قياما عظيما في القيامة إلا كونه للشفاعة إذ لا يتصور كونه للعبادة لانقضاء التكليف والحمد وإن كان عاما بكونه في مقابلة الأنعام وغيره لكن من حيث إنه رأس الشكر المتبادر منه ما هو في مقابلة الأنعام لا سيما في هذا المقام مقام المحشر ولذا لا يراد بالمقام المحمود مقامه في الجنة وإن احتمله على أن الاشعار ليس نصا في عدم احتمال غيره والمص في ضده بيان ما هو المشهور ولا ينكر احتمال غيره فاندفع إشكال مولانا السعدي وبهذا ظهر سر اختيار محمودا على مشكورا لأنه قد عرفت أن الحمد رأس الشكر والشكر مقابلة النعمة قولا وعملا واعتقادا ولما كان الحمد رأس الشكر علم أن ما هو فرد أكمل ما يكون في مقابلة النعمة ولهذا قال عليه السّلام ما شكر اللّه من لم يحمده وإلى ما ذكرنا أشار المص في أوائل سورة الفاتحة وقد ذهل عنه الفاضل المزبور .
قوله : ( وانتصابه على الظرف بإضمار فعله أي فيقيمك مقاما ) لأن اسم المكان الذي على مفعل لا ينصب إلا بفعل نفسه إلا إذا كان ظرفا مكانا مبهما فإنه يجوز أن ينصب بغير فعله وهنا ليس كذلك وتفصيله في النحو .
قوله : أي فيقيمك مقاما قال أبو البقاء فعلى هذا نصب على المصدر .
هامش
( 1 ) ولا ريب أن أعباء الرسالة ثابت له عليه السّلام من مبدأ الرسالة ثم وضع عنه عليه السّلام ولا معنى للأمر بهذا الدعاء فلا جرم أن القول ليس بشيء .
( 2 ) غير مراد به أمته كما في الأول .