القول بأن الكاف للتعليل كما قيل ليس بمناسب إذ معناها المشهور وهو التشبيه صحيح لكن التشبيه لظهور المشبه به وإلا فالرحمة المطلوبة الأخروية والمشبه بها الرحمة الفانية فلا مناسبة بينهما ولعل من ذهب إلى كون الكاف للتعليل نظر إلى ذلك وقال الطيبي أن الكاف لتأكيد الوجود كأنه قيل رب ارحمهما رحمة محققة مكشوفة لا ريب فيها كقوله تعالى :
مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
[ الذاريات : 23 ] انتهى وهذا كلام طيب لكنه ليس بخاص في هذا الموضع لأن المشبه به لا بد وأن يكون أعرف ولو ادعاء فيكون المعنى في كل موضع كذلك فعلم منه إنه ليس بوجه يغاير كونه للتشبيه « 1 » .
قوله : ( وفاء بوعدك للراحمين ) أي بوعدك الخ إشارة إلى ما روي إنه عليه السّلام قال الراحمون يرحمهم الرحمن الحديث قوله للراحمين فيه تغليب قيل وعلى ما ذكره المصنف لا يخلو الكلام أيضا عن معنى التعليل ولهذا ذكر وجهه بقوله وفاء بوعدك الخ وفيه ما فيه .
قوله : ( روي أن رجلا قال لرسول اللّه تعالى صلّى اللّه عليه وسلّم أن أبوي بلغا من الكبر أنى إلى منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما حقهما قال لا فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقائك وأنت تفعل وذلك وأنت تريد موتهما ) قيل قال ابن حجر إنه لا يوجد في كتب الحديث قوله أنى إلى من الولاية أي أكرمهما وأحسنهما مثل أحسنهما في صغري قال « 2 » فهل قضيتهما أي حقهما بتقدير المضاف وفي هذا الخبر تأييد بقوله ولا تكتف برحمتك الفانية بل ادع اللّه أن يرحمهما برحمته الباقية حيث أشير إلى أن رحمتك الفانية لا توازن رحمتهما الفانية لأن رحمتهما رحمة محضة ورحمتك رحمة مشوبة بالنقمة لإرادتك موتهما .
أي أنا ابن رجل جلاة ونقل صاحب اللباب عن بعضهم أن الكاف في كما ربياني لتأكيد الوجود وذكر الشارح في توجيهه أنه ليس الكاف فيه للقرآن في الوقوع كما في قولك حضر زيد قام عمرو لأن التربية من الوالدين واقعة والرحمة لهما مطلوب الوقوع لأنها مذكورة بصيغة الأمر في رب أرحمهما فالكاف ليست للمقارنة في الوقوع بل التأكيد وجود الرحمة أي أوجد رحمتهما ايجادا مؤكدا محققا كما أوجد الوالدان التربية ايجادا محققا في الزمان الماضي .
قوله : وفاء بوعدك للراحمين الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحكم من في السماء .
قوله : فهل قضيتهما أي فهل حكمتهما بأحكام كما أنها يحكماني في صغري قوله ما فرط منهم أي ما فرط منهم في حال الغضب وعند حرج الصدر وعندما لا يخلو عنه البشر .
هامش
( 1 ) وفي الكشف وأما الحمل على أن ما مصدر حينية والمعنى ارحمهما في وقت أحوج ما يكون إلى الرحمة كوقت رحمتهما إلى وأنا لحم على وضم وليس ذلك في القيامة والرحمة الجنة لأنها الرحمة الباقية فتعسف لا يساعده اللفظ والمعنى .
( 2 ) تأكيد لقال الأول للاهتمام .