تفصيله فقال جعل للذل جناحا أي أثبت له جناحا فالمراد الجعل قولا يعني أن فيه استعارة مكنية وتخييلية شبه الذل بطائر منحط من علو وأثبت له الجناح تخييلا والخفض ترشيحا كذا قالوا ولا يخفى عليك « 1 » إن الذل نفسه لا يشبه طائرا بل يشبه انحطاطه فالأولى أن يقال شبه المتواضع بالطائر المنحط من علو من الانحطاط عن مرتبته اللائقة وهذا التشبيه يتضمن تشبيه الذل بانحطاط الطير فحقه أن يضاف الجناح إلى المخاطب كما في قوله تعالى :
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
[ الحجر : 88 ] لكن أضيف إلى الذل هنا لأدنى ملابسة ولأنه منشأ إثبات الجناح للمخاطب وقيل المراد بخفضهما ما يفعله إذا ضم فراخه إليه لتربيته فخفض الجناح كناية عن حسن التدبير في معاملتهما كأنه قيل للولد أكفل والديك بضمهما إلى نفسك ضما معنويا كما فعلا ذلك بك حسيا فيلائم أشد الملائمة لقوله :
كَما رَبَّيانِي صَغِيراً
[ الإسراء : 24 ] .
قوله : ( كما جعل لبيد في قوله وغداة ريح ) أي ورب غداة والغداة أول النهار ولشدة البرد فيها خصها .
قوله : ( قد كشفت ) بصيغة المتكلم والمفعول محذوف وهو البرد بإيقاد النار للضيوف وإن أريد الكشف عنهم الجوع بالإطعام فتخصيص الغداة لأنها وقت احتياج الطعام لكن الأول هو الأولى .
قوله : ( وقرة ) بكسر القاف أو بفتحها البرد الشديد عطف على غداة وأما العطف على ريح فلا يحسن لكونه مضافا إليه مع حسن العطف على المضاف .
قوله : ( إذ أصبحت بيد الشمال زمامها للشمال يدا وللقرة زماما ) إذ أصبحت أي القرة أو الغداة أو الريح كذا نقل عن شرح المعلقات وإسناد أصبحت إلى الغداة فيه نوع حفأ قوله بيد الشمال زمامها جملة خبر أصبحت « 2 » لأنها ناقصة والمعنى إذ أصبحت أي صارت قرينة للاستعارة المكنية بأن يشبه الذل بالطائر ثم ذكر الذل وأريد به الطائر وأثبت للذل ما به قوام الطائر الذي هو المشبه به وهو الجناح على سبيل التخييل قرينة للاستعارة المكنية كما شبه لبيد الشمال بالإنسان ثم خيل أنها إنسان بعينه وأضاف إليه على سبيل التخييل ما يلازم الإنسان عند التصرف وهو اليد وكذلك شبه القرة وهي البرد بالناقة وأثبت لها ما به قوام انقيادها وهو الزمام تخييلا وعلى هذا إضافة الجناح إلى الذل تفيد المبالغة في التذلل والتواضع لأن خفض الجناح عبارة عن التذلل بدون الإضافة فإذا أضيف إلى الذل تفيد المبالغة في التذلل لأن تذلل الذل غاية التذلل كما يقال حاتم الجود فإن الحاتم يفيد معنى الجود بدون الإضافة فإذا أضيف إلى الجود يفيد مبالغة كان يقال جواد الجود ومعنى البيت ورب غداة ريح قد كشفت بردها بإيقاد النار للضيفان ورب قرة أي برد كشفت بردها أيضا حين صارت زمام تلك القرة بيد الشمال .
هامش
( 1 ) وأيضا هو إذا رأى جارحا يخافه لصق بالأرض ولصق جناحيه .
( 2 ) وهذا أولى من كون أصبحت تامة بمعنى الدخول في الصباح فح يكون مسندا إلى قرة وزمامها فاعل الظرف والجملة الظرفية حالا من الضمير .